5 آفات تستنزف العمل الإسلامي المعاصر وتضعه في ذيل اللاعبين

العمل الإسلامي

لماذا أكتب الآن عن 5 آفات تستنزف العمل الإسلامي المعاصر؟؟ حقيقة الأمر أني في كتاباتي وكتبي الأولى التي نشرتها في الفترة من 2007 وحتى 2012 ركزت على الكتابة الوصفية عن الحركات الإسلامية، لأن المرحلة وقتها اقتضت ذلك حيث لم يكن يشتهر عن الحركات الإسلامية أكثر من الأساطير والأوهام والشائعات.

وكانت نيتي أن أتبع ذلك بكتابة أخرى تتجاوز الوصف لتتعمق في التحليل، ولعل ذلك ظهر بوضوح في القسم الثاني من كتابي “دليل الحركات الإسلامية”، والعديد من مقالاتي التالية، وفي إطار التركيز على الشق التحليلي كتبت السطور التالية لكني لم أرد أن تشتمل الأمثلة على أسماء حركات إسلامية محددة حتى لا يعوق الغضب عملية الانتفاع المأمول بأفكار هذا التحليل، و الله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. 

من الآفات الخطيرة للغاية في واقع الحركات الإسلامية العربية 5 آفات أراها القاصمة وهي: 

كل جماعة لا ترى الواقع إلا عبر نفسها 

الأولى-أن كل جماعة أو مجموعة إسلامية لا ترى الواقع والأحداث إلا عبر نفسها وحدها ووفقا لظروفها الذاتية وحدها، ونتيجة لذلك فلا تجد جماعة أو حزبا يأخذ في حسبانه المتغيرات الأخرى الموجودة في الواقع سواء كانت موجودة في واقع أصدقائه أو أعدائه أو حلفائه.

 فهو يعيش في داخل نفسه فقط فالصواب والخطأ هو ما تراه جماعته، وكذلك فالقوة والضعف والفرصة والخطر كل ذلك بحسب واقع جماعته فقط فلا يرى شيئا خارجها، ومعلوم كيف يضيع بذلك الفرص ويقع في المخاطر ويعادي كل من خارج جماعته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

لأن هذه الآفة تجعله لا يدرك أغلب الفرص والمخاطر الكامنة في كل حدث يحدث في الواقع المحلي والإقليمي والدولي كما أنه لا يدرك حقيقة كافة متغيرات ومكونات هذا الواقع الذي نعيشه جميعا وبالتالي لا يدرك أغلب الفرص والمخاطر الكامنة في هذه المكونات الواقعية، كل ذلك لأنه حبس نفسه داخل ذاته وعمي عن كل ما هو خارجها إلا ما يبدو له عبر مرآة ذاته كفرد أو جماعة أو حزب أو مجموعة.

READ  مستقبل الشرق الأوسط في ضوء الحرب الاسرائيلية على غزة 2023-2024

الحركة الاسلامية صورة تعبيرية

كل جماعة تعتقد أنه لابد أن يتحقق النصر عبرها

الثانية- أن كل جماعة أو مجموعة إسلامية تعتقد أنه لابد أن يتحقق النصر عبرها وحدها ووفقا لظروفها الذاتية وحدها، فكل جماعة لا تقرر أبدا أنها ممكن أن تكون مرحلة ممهدة لانتصار أي جماعة أخرى من أهل الإسلام فكل منها تحتم (وإن لم تعلن ذلك صراحة) أنه لا نصر إلا علي يدها وبناء على ذلك تضع كل خططها وتحدد كل تحركاتها.

وهذا منافي لنصوص قرآنية محكمة كقول الله تعالى:

” قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ”(سورة التوبة آية 52) فالآية تشير بوضوح إلى أن هزيمة الأعداء قد لا تكون بيدك وإنما “بعذاب من عنده” أي بمتغيرات أخرى خارجة عن ذاتك، كما قال تعالى: “وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ”(سورة الرعد آية 40).

و قول الله تعالى: “وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ”(سورة يونس آية 46)، وقول الله تعالى: “فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ”(سورة غافر آية 77).

فدلالة الآيات تتجه بوضوح إلى أن المسلم أو الجماعة المسلمة قد تكون مرحلة أو حلقة من حلقات الصراع وتذهب، ثم يتحقق قدر إهلاك أو هزيمة الظالمين بعد ذهاب هذه الجماعة المسلمة (أو هذه المجموعة أو هذا الجيل).

READ  القمة الأفريقية الـ 34 في أديس أبابا هل تعني وحدة إثيوبيا واستقرارها وعودتها لدورها الاقليمي؟

ومع هذا فهي تشير أيضا إشارة واضحة إلى وجوب قيام الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة بواجبها في عمليات الصراع أو الكفاح أو الدعوة، وهي دلالة كامنة في قوله تعالى: “وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ”، والشاهد هنا “فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ”.

ونفي المرحلية هذا ليس مخالفا للآيات القرآنية المذكورة فقط بل هو مخالف لطبيعة التاريخ الإسلامي وتطوراته التي نتج عنها هذا الانتشار الواسع للإسلام والمسلمين عبر العصور.

إذ تعاقب حكام وأسرات حاكمة من أعراق شتى على قيادة أمة الإسلام ودوله في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وإدارة الحكم والسياسة والصراع الدولي، بدءا من الخلافة الراشدة، ثم الدول الأموية والعباسية والعثمانية، وبينهم ومعهم دول شتى من طاهرية وخوارزمية وغزنوية وسلجوقية وأتابكة وأيوبية ومماليك ومرابطين وإخشيديين وطولونيين، وغيرهم من الدول التي تعاقبت على الحكم والقيادة في شتى بقاع العالم الإسلامي.  

التفكير عبر التمني وتفسير الظواهر بالتمني

الثالثة-هو التفكير عبر التمني والتفسير بالتمني، ومن ثم صياغة التبريرات التي تبرر مواقفها الفكرية والسياسية مدعية أن هذا التبرير هو تحليل علمي موضوعي، وهو فوق أنه آفة خطيرة تقدح بمنهج التفكير، فهو مرتبط لدى الأفراد والجماعات بتحقيق الراحة النفسية، وإزالة التوتر لدى الفرد والجماعة إزاء حقائق الواقع التي ترفض ((تمحوره حول ذاته)) المذكور في الآفة الأولى. 

الجمود الفكري

الرابعة-الجمود الفكري، وهذا ليس ناتجا فقط عن تقديس ما ليس مقدسا، ولكن أيضا هو ناتج عن التمحور حول الذات، وسجن العقل بداخل الذات، ذات الجماعة او الحزب أو الشلة او المجموعة، ومن ثم تقديس هذه الذات وأطروحات هذه الذات، وتقديمها على كل ما خالفها من أدلة شرعية أو علمية موضوعية.

%D8%B9%D8%AF%D9%85 %D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%D9%8A%D8%A9 2

عدم الواقعية

الخامسة-عدم الواقعية وهذا نتيجة طبيعية لكل ما سبق ولكن لخطورة هذه الظاهرة نريد أن نفصل فيها قليلا، حيث نجد مجموعة لا يزيد عدد أعضائها عن خمسين شخصا (أو حتى 5000 شخص) تناطح على الحكم في دولة عدد مواطنيها 110 مليون نسمة، وتسعى لأن تقتطع من نفوذ جماعة نشأت قبلها بأكثر من 70 عاما وقوامها 500 ألف عضو.

READ  الانقلاب العسكري فى تركيا لماذا فشل ؟ وكيف سقط ؟

والجماعة الأصغر تريد أن تفعل هذا بدون أي موارد أو استراتيجية أو تكتيكات تنفرد بها عن غيرها أو تمنحها تفوقا استثنائيا، وتجد جماعة أخرى قوامها لا يزيد عن بضع مئات تتكلم كأنها أقوى كل هذه الجماعات وأكثرها خبرة وحكمة بلا أي اختراق حقيقي تحققه إزاء مشكلات العملية الصراعية الراهنة.

وهذا كله يمثل عدم واقعية كمثل طالب ثانوية مصرية حصل على 50% ويريد أن يلتحق بكلية الطب (التي لا تقبل الحاصل على أقل من 95%) أو طالب ثانوية شعبة أدبي يريد ان يلتحق بكلية الهندسة أو الصيدلة (اللتان لا تقبلان غير الشعبة العلمية).

ولذلك نجد تفكير الحركات الإسلامية العربية به من العجائب والغرائب ما يعجز القلم عن وصفه، كأن تجد جماعة او حزب ليس لديه أي خبرات أمنية ويريد أن يسيطر على دولة هي من دول العالم الثالث، رغم أن من أبجديات الفهم العلمي الموضوعي لواقع العالم الثالث هي أن صوت العامل الأمني يعلو على صوت عاملي السياسة والاقتصاد دائما.

وهكذا في كل المجالات حيث تسود فكرة ما نسميه بالعامية المصرية (الفهلوة أو الشطارة)، ومعناها اخذ أمر أو شيء بلا استحقاق ولا أسباب منطقية موضوعية حقيقية توجب لك هذا الأخذ، أي النجاح أو الانتصار بلا موجب ولا سبب ولا موارد تجعلك مستحقا لهذا النصر او النجاح.

وختاما فهذه الآفات تكتنف أغلب الحركات السياسية العربية سواء كانت في الحكم أو المعارضة حتى لو لم تكن إسلامية ولكننا خصصنا الإسلامية منها لاهتمامنا بها ورغبتنا ان تتجه نحو حد الكمال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا الموضوع في موقع طريق الإسلام ، وغيره .

About The Author

حرب إيران وأميركا

حرب إيران تقترب .. ورطة ترامب وحسابات إسرائيل وحدود الدعم الروسي-الصيني

ترامب

خطة ترامب حول غزة .. الثقة بالشرف البريطاني كلفت مصر احتلالا لـ 74 عاما

تركيا وطالبان أفغانستان

في السياسة.. تعلموا من طالبان أفغانستان وتركيا أردوغان واحذروا ممن سواهم

ربما فاتك

ملفات جيفري إبستين

ملفات جيفري إبستين .. هل يضلل النقاش العربي الرأي العام؟

حرب إيران وأميركا

حرب إيران تقترب .. ورطة ترامب وحسابات إسرائيل وحدود الدعم الروسي-الصيني

مجلس الأمن

غزة ودور المسلمين بعد قرار مجلس الأمن

ترامب

خطة ترامب حول غزة .. الثقة بالشرف البريطاني كلفت مصر احتلالا لـ 74 عاما

تشارلي كيرك

3 فروق بين العربي والأوروبي والأمريكي يكشفها اغتيال تشارلي كيرك

Share via
Copy link