ملفات جيفري إبستين .. هل يضلل النقاش العربي الرأي العام؟
تحليل سياسي لملفات جيفري إبستين يكشف كيف يختزل النقاش العربي القضية في بعدها الأخلاقي، بينما يغفل صناعة النفوذ والتأثير في السياسة الدولية.

ملفات جيفري إبستين
عادت ملفات جيفري إبستين إلى صدارة الإعلام العالمي، وتحولت إلى ترند واسع في الصحافة الغربية ومنصات التواصل الاجتماعي، كما تصدرت النقاشات في الفضاء العربي بين المدونين واليوتيوبرز والصحفيين والإعلاميين. لكن اللافت أن النقاش العربي في تناوله لملفات جيفري إبستين بدا تائها بين الصدمة الأخلاقية والانبهار الإعلامي، بينما غاب عنه الدرس السياسي الأهم المتعلق بصناعة النفوذ وإدارة التأثير في الأحداث الكبرى.
من أبرز عادتنا في العالم العربي المعاصر أننا تحولنا إلى ظاهرة صوتية، تغيرت أدواتها عبر الزمن من مكبرات الصوت والصحف الورقية إلى المذياع والتلفاز فالفضائيات، وصولا إلى الإنترنت والهواتف الذكية. ومع صعود السوشيال ميديا صار الفضاء الرقمي ملعبا واسعا للغو، يرفع فيه البعض أصواتهم لإثبات الوجود وتلميع وجوه وتسويد أخرى وكسب الشهرة والمال، وكثير من ذلك لا يخلو من شبهات.
ولأن ملفات جيفري إبستين كشفت عن شبكة معقدة من العلاقات الجنسية والسياسية والمالية، فقد انصب تركيز النقاش العربي على الجانب الأخلاقي وحده، متسائلا بدهشة عن طبيعة الحفلات والممارسات التي جرت في جزيرته “ليتل سانت جيمس” أو في قصره بمانهاتن. وكأن البعض كان يتوقع أن حفلات النخب الغربية تقام على تلاوة نصوص من آيات الذكر الحكيم وباقة من أحاديث صحيح البخاري، لا على أنماط حياة معروفة في مجتمعاتهم من معاقرة الخمور وممارسة ألوان من الجنس.
نعم، من المستهجن في العادات الغربية اغتصاب النساء بغير رضا أو ممارسة الجنس مع القُصّر، لكن ما عدا ذلك من أنماط نعتبرها نحن العرب إباحية فهو في الإطار القانوني والثقافي السائد لديهم، بغض النظر عن موقفنا منه. فهل المشكلة الحقيقية في ملفات جيفري إبستين هي الانحلال الأخلاقي؟ أم أن هناك بعدا أعمق يجري تجاهله؟

الابتزاز السياسي في ملفات جيفري إبستين.. أداة قديمة بوسائل حديثة
إن اختزال ملفات جيفري إبستين في بعدها القيمي يمثل تسطيحا للنقاش وركوبا للترند لا يخدم التنوير المفترض للرأي العام. فعملية وضع رموز من النخب السياسية تحت السيطرة عبر تصويرهم أو تسجيلهم في أوضاع يخشون افتضاحها ليست أمرا جديدا، بل هي أداة معروفة لدى أجهزة الاستخبارات الكبرى منذ عقود طويلة.
ولأن القيم السائدة في الغرب لا تحرم العلاقات بين البالغين ما دامت رضائية، فإن أدوات الابتزاز لا بد أن تتجاوز المباح قانونيا وثقافيا لتصل إلى جرائم كالاغتصاب أو استغلال القاصرات، وهي النقاط التي تمثل تهديدا حقيقيا لسمعة أي سياسي أو رجل أعمال، ومن الثابت استخدام إبستين المعلومات الشخصية الخاصة كأداة للسيطرة والضغط على العديد من الشخصيات.
لكن السيطرة على الأشخاص لا تقتصر على الابتزاز الجنسي أو الضغط وحدهما؛ بل تمتد إلى الرشوة والمكافآت وتسهيل الصفقات والترشيح لمناصب مرموقة أو مؤتمرات دولية، وهكذا تصبح الحفلات والضيافة والجنس جزءا من منظومة أوسع لصناعة الولاء والنفوذ.
ولا شك أن العملية كلها شهدت حالة من الإهمال القضائي المتعمد حول ممارسات إبستين على مدى 30 عاما، وهذا يكشف مدى الزيف القانوني في الولايات المتحدة إذا تعلق الأمر بذوي النفوذ المالي والسياسي من النخبة العليا في المجتمع الأمريكي.

فجذور قضية إبستين قضائيا تعود إلى عام 1996، حين تجاهلت الشرطة الفدرالية أولى البلاغات المقدمة ضده، ليدخل بعدها هذا الملياردير في سلسلة من الصفقات القضائية المشبوهة التي مكنته من الاستمرار في نشاطه الإجرامي حتى عام 2019، معاصرا لخمسة رؤساء أمريكيين مختلفين منذ بيل كلينتون. ومن ذلك أن المدعي العام السابق في فلوريدا “ألكسندر أكوستا” منح “حصانة فدرالية” لإبستين عام 2008 عبر اتفاق سري منع ملاحقته أو ملاحقة شركائه مقابل حكم مخفف جدا، كما تم منع محققي “إف بي آي” من مصادرة كمبيوتراته التي كانت تحتوي على تسجيلات كاميرات المراقبة.
شبكة جيفري إبستين وصناعة النفوذ الدولي
الدرس الغائب في النقاش العربي حول ملفات جيفري إبستين هو أن القضية في جوهرها تتعلق بالتأثير في الأحداث الكبرى وصناعة النفوذ عبر المال والعلاقات العامة والابتزاز والضغط. فإبستين لم يكن مجرد منظم حفلات منحرفة، بل كان وسيطا لرجال أعمال وصلة وصل بين سياسيين ومؤثرا داخل بعض الدوائر الأمريكية كأنه جماعة ضغط “لوبي” يعمل لحساب شبكة مصالح معقدة، تشير العديد من الدلائل إلى أنها تصب في النهاية لمصلحة دولة إسرائيل.
وتشير بعض ملفات جيفري إبستين إلى دوره في تحسين وترقية العلاقات بين الهند وإسرائيل وبين الهند والولايات المتحدة عام 2017، كما تشير إلى دوره في تحسين العلاقات بين دولة عربية وإسرائيل. هذا النوع من الأدوار يتجاوز بكثير فكرة “جزيرة للمتعة”، ليصل إلى التأثير في مسارات سياسية ودبلوماسية حساسة.

من مكتب صغير إلى شبكة عابرة للحدود
لا شك أن جيفري إبستين بدأ مبكرا في بناء شبكته، حتى وإن بدت في بدايتها محدودة، من خلال مكتب محاماة صغير في شقة مطلة على “سنترال بارك ساوث” في مانهاتن، لكن ارتباط شريكه بعملية “إيران/كونترا” منذ عام 1985، حيث اشترت إيران سلاحا أمريكيا عبر وسيط إسرائيلي لتتقوى به في حربها ضد العراق في عهد الرئيس صدام حسين، يكشف أن الشبكة كانت على تماس مبكر مع ملفات سلاح وسياسة وأموال واستخبارات منذ البداية.
وهنا يتضح أن المال والعلاقات النافذة وتبادل الخدمات ليست مجرد تفاصيل هامشية، بل هي أدوات مركزية في صناعة النفوذ داخل النظام الدولي، ومن ثم توجيه الأحداث بحسب أهداف أصحاب هذا النفوذ.
لماذا يضلل النقاش العربي الرأي العام؟
إن أغلب النقاش العربي الراهن حول ملفات جيفري إبستين يظل أسير الصدمة الأخلاقية، فيحاكم القيم الغربية بمعايير القيم الإسلامية والعربية، دون أن ينتبه إلى أن السؤال الأجدى هو: كيف تُصنع مراكز النفوذ؟ وكيف تُدار العلاقات بين المال والسياسة والاستخبارات؟ وكيف يمكن لشبكة واحدة أن تتقاطع مع ملفات محلية وإقليمية ودولية حساسة؟
أما الحديث عن إفلاس الغرب أخلاقيا، فهو أمر لا يحتاج إلى ملفات جيفري إبستين لإثباته؛ فالصورة الأخلاقية للمجتمعات الغربية كانت محل نقد منذ عقود طويلة. لكن ما يستحق الدراسة والتحليل حقا هو البنية السياسية التي تسمح لشبكات من هذا النوع بأن تعمل سنوات طويلة قبل أن تنكشف، وأن تتداخل مع صناعة القرار في أكثر من دولة.
فالدرس السياسي الغائب في تناول ملفات جيفري إبستين ليس في عدد الحفلات ولا في تفاصيلها الإباحية، بل في فهم آليات النفوذ وصناعة التأثير في عالم تحكمه الشبكات ذات الأموال وقدرات السيطرة على النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية، فضلا عن العلاقات النافذة الواسعة، لا الشعارات البراقة الخالية من الجوهر الحقيقي، فضلا عن أن هذا كله تقوم به شبكات تابعة للدولة الصهيونية بتواطؤ مريب من نخب وأجهزة أوروبية وأمريكية.

أسئلة شائعة حول ملفات جيفري إبستين
لماذا تثير ملفات جيفري إبستين كل هذا الجدل؟
لأن ملفات جيفري إبستين تكشف تقاطعا بين المال والسياسة والجنس والاستخبارات، ما يجعلها قضية تتجاوز الفضائح الأخلاقية إلى احتمالات صناعة نفوذ وتأثير في قرارات دولية حساسة.
هل تقتصر قضية إبستين على الجانب الأخلاقي فقط؟
لا، فحصر ملفات جيفري إبستين في بعدها الأخلاقي يتجاهل أبعادا سياسية تتعلق بالابتزاز وصناعة الولاءات والتأثير في شبكات القرار داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ما الذي يغفله النقاش العربي حول ملفات جيفري إبستين؟
يغفل النقاش العربي في كثير من الأحيان تحليل آليات صناعة النفوذ والضغط السياسي، ويركز بدلا من ذلك على الصدمة الأخلاقية، وهو ما يضلل الرأي العام عن فهم الصورة الكاملة.