لماذا ينهزم المسلمون ؟ و كيف ينتصرون ؟ (2-2)

القلعة صورة ارشيفية

القلعة صورة ارشيفية

لماذا ينهزم المسلمون ؟ وكيف ينتصرون ؟ ولماذا لايحققون النصر الذي حققه أسلافهم العظام؟ .. لقد كانت الحلقة الأولى من هذا المقال بمثابة توطئة و مقدمات كي نتوصل بها للاجابة عن السؤال الأساسي لهذا المقال و هو:

لماذا ينهزم المسلمون الآن ولايحققون النصر الذي حققه أسلافهم العظام؟

و كي نجيب على هذا السؤال لابد أن نفككه أولا..

وأهم تفكيك في البداية هو أن نعرف أن الصراع الحالي الذي ينهزم فيه المسلمون هو صراع سياسي بالأساس ، لأن الصراعات العسكرية وكل مايتعلق بالإستراتيجية العليا و الإستراتيجية الشاملة فإن الصواب فيها أن يديرها ويقودها القائد السياسي الاستراتيجي لا العسكري وحده أو الدعوي وحده..
إذا فهزائمنا يقف خلفها عجز أو إخفاق لقادتنا السياسيين فلماذا يخفق سياسيونا في إحراز النصر و يفشلون حتى الآن؟

دعونا نرجع للوراء.. نرجع للتاريخ فنأخذ منه زادا يعيننا على فهم مشكلتنا الحالية.. فإذا فهمنا المشكلة بحقيقتها فسوف نتمكن من معرفة حلها الصحيح.

دور العرب في عصر الخلفاء الراشدين وحتى نهاية الدولة الأموية

في البداية شارك العرب في حكم الدولة العربية الإسلامية منذ حكم الخلفاء الراشدين وحتى نهاية الدولة الأموية (132هـ) وحينئذ كان العرب هم أغلبية المواطنين المسلمين في الدولة وعندما أراد العباسيون الإطاحة بالأمويين استعانوا بعدد ضخم من الفرس حديثي العهد بالإسلام كي يمكنهم ضرب الأمويين وركيزتهم الاجتماعية وهي العرب.

ومن هنا صار كثير من القادة و الوزراء هم من الفرس وإن قاسمهم عدد من العرب العديد من المناصب ومع مرور وقت قصير انفرد الفرس بالمناصب خاصة بعد انتصار الخليفة المأمون بن هارون الرشيد بقواته وقادته الفرس على أخيه الأمين الذي كانت قواته وقادتها من العرب (198هـ).

الصحوة الإسلامية

وبعد سنوات قليلة ضاق الخلفاء العباسيون بطموحات ومؤامرات الفرس فأقصوهم عن الحكم والجيش والسياسة وأحلوا محلهم عسكريين محترفين أشبه بالمرتزقة، و هم عجم (من الأتراك غالبا) حديثو عهد بالإسلام من قبائل على أطراف الدولة والهدف هو ألا يكونوا ذوي طموحات للاستيلاء على الحكم أو الاستئثار به أو المشاركة في المؤامرات السياسية ضد الخليفة.

READ  نقاش استراتيجى حول انقلاب تركيا وأردوغان وفتح الله جولن وعصر الجماهير

وبعد فترة قصيرة انغمس هؤلاء الغرباء في المؤامرات حتى حجروا على الخليفة العباسي نفسه و صار يملك ولا يحكم لكن الملاحظة المهمة هي أن هؤلاء الحكام الجدد صاروا نخبة منعزلة عن مجتمع المواطنين فهم من عرق غريب ويعيشون في طبقة اجتماعية مختلفة ولاعمل لهم سوى الحكم والسياسة والحرب وتعاقبت الحقب من أول أتراك حكموا منذ عهد المعتصم (تولى الخلافة سنة218 هـ – 833 م).

وحتى المماليك الذين أقرهم العثمانيون في الحكم في مصر و الشام حتى الحملة الفرنسية بالقرن الـ 19 الميلادي، وأيا كانت أجناسهم “ترك أو أكراد أو شركس أو صقالبة أو فرس أو غيرهم” فهم نخبة منعزلة عن المجتمع و ارتضي الشعب لها أن تختص هي بالحكم والسياسة و الحرب والإستراتيجية الشاملة و نجد إقرارا من العلماء بهذا.

و نجد أن احتجاجات الشعب عليهم اتسمت بالمطلبية في معظمها كالإضرابات أوالمظاهرات أوبيانات الاحتجاج على المظالم و كانت شكاوى الاحتجاج تقدم للنخبة الحاكمة على لسان العلماء وبذا انقسم المجتمع والدولة إلى مواطنين مدنين لايحملون سلاحا ولايمتطون خيلا ولايشاركون في لعبة الحكم و السياسة ولايعلمون شيئا عن خباياها وقواعدها وحيلها وألاعيبها.

لماذا ينهزم المسلمون
لماذا ينهزم المسلمون

في حين أن القسم الأخر هم الحكام أرباب السيف والحكم وحرص أرباب الحكم على عزل المواطنين بل والخلفاء العباسيين أنفسهم عن السيف والحكم والسياسة فلا دخل لهم بها ومنعوهم من تعلم قواعد الحرب و الفروسية وحمل السلاح ليأمنوا بعدم قدرتهم على التدخل في شئون الحكم، وفي ضوء هذا كله يجب أن نفكر في إجابة سؤالنا الرئيس لهذا المقال التحليلي وهو: لماذا ينهزم المسلمون ؟.

الخلافة العثمانية استلمت الراية

وظل الوضع هكذا حتى بعد استلام العثمانيين للخلافة من العباسيين مع الفارق أن الخليفة العثماني هو الذي تولي الحكم بدلا من السلطان التركي او الكردي او الشركسي و استمر في عزل الشعب وقادته الذين هم علماء الدين عن السياسة و الحرب ، و استمر في منعهم من المشاركة في الحكم أو حمل السلاح مع استعانته بنخبة العسكر القديمة من المماليك ومن شابههم في مختلف الولايات العربية الأخرى.

ويوضح هذا الموقف بشكل جلي واقعة حدثت مع نابليون بونابرت في مصر، إذ دخل عليه العلامة الأزهري الشيخ محمد السادات فكلمه برهة ثم خرج، فقال بونابرت لرفيقه الجنرال كليبر: “الشيخ السادات هذا هو زعيم الثوار المصريين”.

فقال له كليبر: “و لماذا تتركه اقبض عليه وأعدمه فورا”.

READ  لماذا أصبح أحمد الشرع عميلا لأمريكا ؟.. 200 عام من تجنيد أوروبا للعملاء

فرد عليه نابليون قائلا : “لا.. أنا أفضل أن يكون خصمي هو شيخ بعمامة كهذا بدلا من أن يكون زعيمهم يركب حصانا و يحمل سيفا مثل مراد بك”.

ومن هنا نفهم كيف أن الشعب صار لايفهم من لعبة الحكم و السياسة سوى الاحتجاجات المطلبية والتوسل للحاكم القائم لتقليل المظالم فان استجاب لهم فبها ونعمة وإن رفض فلا حيلة لهم، لأنهم لايفهمون بقية خبايا وألاعيب لعبة الحكم و السياسة لا المحلية ولا الإقليمية ولا الدولية.

و عندما جاء محمد على لحكم مصر حرص على استمرار عزل غالبية الشعب عن الحكم والجيش، وعندما اضطر لإدخال المصريين للجيش لحاجته لتكبيره وعدم قدرته على استيراد مماليك جدد فإن هؤلاء المصريين هم من فجروا ثورة بقيادة أحمد عرابي ضد أبناء محمد على وهنا تسلم الاحتلال الانجليزي الحكم ليتولى الانجليز المحتلون عزل الشعب مرة أخرى عن الحكم والجيش وهنا نعود للتفكير في إجابة سؤالنا: لماذا ينهزم المسلمون ؟.

و لكن الإنجليز كان لعزلهم الشعب هدف آخر غير مجرد السيطرة على الحكم، إذ كانت سيطرتهم المرجوة سيطرة بأهداف جديدة وهذه الأهداف عمل عليها الاحتلال الغربي في كل الأقطار الإسلامية التي احتلها، و هي خلق شريحة إجتماعية جديدة هي من أهل البلد و تنتمي شكلا الى الثقافة السائدة في البلد وهي الثقافة الإسلامية.

ولكن هذه الشريحة في حقيقة الأمر تربت على الفكر الأوروبي ودانت لمفاهيمه و طريقته في التفكير واعتنقت مواقف الغرب من العقيدةالإسلامية  والتاريخ العربي والاسلامي.

وهذه الشريحة الاجتماعية التي أعدها الاحتلال لتولي مناصب الحكم و السياسية وما يتبعه من أجهزة مسيطرة في الفن والثقافة والأمن والتعليم والاعلام هي أبناء البلاد العربية والإسلامية لكنها تربت على المناهج الأوروبية في الفكر والعلم فصارت تفكر كالأوروبي وتتخذ مواقفها وفقا للمعايير الأوروبية في الفكر والفن والأمن والثقافة والتعليم.

لماذا ينهزم المسلمون
لماذا ينهزم المسلمون

و من هنا أصبح القادة و الساسة والمفكرون يأتون من هذه الشريحة الاجتماعية الجديدة التي صارت هي النخبة ويحكمون بالمعايير الأوروبية وكأن الاحتلال الأوروبي لم يخرج من عالمنا الاسلامي بينما مظهرهم وشكلهم وأسماؤهم هي أشكال وأسماء محلية، ثم جاءت الصحوة الاسلامية وكشفت هذا التغير الفكري والاجتماعي في كتابات ومحاضرات عديدة تحت عنوان الغزو الفكري.

مناهج الصحوة للعمل السياسي و الاجتماعي

عندما جاءت الصحوة الإسلامية وسعت للاجابة عن نفس الأسئلة وهي: لماذا ينهزم المسلمون ؟ وكيف ينتصرون ؟ ولماذا لايحققون النصر الذي حققه أسلافهم العظام؟

READ  السودان بين سياسات "قحت" وكفاح التيارات الإسلامية

فإن هذه الصحوة الإسلامية المعاصرة قد خطت لنفسها مناهج للعمل السياسي والاجتماعي من منطلق خبراتها الذاتية التي كانت ومازالت معزولة عن تجربة الحكم والسياسة، فجاءت مناهج الصحوة ضعيفة للغاية في مجالات السياسة والاستراتيجية.

ومن هنا عجز قادة الصحوة عن الارتفاع الى مستوى التحديات السياسية والاستراتيجية التي تواجهها الأمة الاسلامية، ولذلك لم ينجحوا في تقديم الإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة ألا وهي: لماذا ينهزم المسلمون ؟ وكيف ينتصرون ؟ ولماذا لايحققون النصر الذي حققه أسلافهم العظام؟

و صارت الصحوة الإسلامية المعاصرة تواجه هذه التحديات بمستوى ضحل وكأن حامل عصا يتصدى بها لطائرة شبحية من طائرات الجيل الخامس، فكل قادة الصحوة يتغنون بانجازات نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي بينما لا أحد منهم يتأسى بنور الدين وصلاح الدين فيكتسب خبرات السياسة والحكم والاستراتيجية التي قد تمكنهم من ابتداع استراتيجة شاملة مناسبة تتيح للأمة الإنتصار على التحديات الراهنة.

و الخلاصة أننا معزولون عن خبرات الحكم و السياسة و الاستراتيجية و ممنوعون عن ممارستها منذ القرن الثالث الهجري و حتى الآن (القرن الخامس عشر هجريا)، ثم مع هذا وضعنا مناهج للتغيير الاسلامي من منطلق خبراتنا الذاتية القاصرة في العديد من جوانبها، ونتمسك بهذه المناهج بكل جمود و تعصب ، فصرنا بين قيدين:

قيد عزلنا تاريخيا عن خبرات السياسة والحكم والاستراتيجية

و قيد مناهج بشرية قاصرة في التغيير الإسلامي و الحركة الدعوية قيدنا بها أنفسنا واعتبرنا الجمود عليها هو ثبات على المبادئ.

و لا حل لنا الا باكتساب خبرات معاصرة في السياسة و الحكم والإستراتيجية بشكل عميق، وفي إطار التزام كامل بالكتاب و صحيح السنة وفقه السلف الصالح لنرتكز على ذلك كله في مواجهة التحديات المعاصرة التي توقع بنا الهزيمة في كل موطن ونقدم إجابة عملية سليمة على سؤال: لماذا ينهزم المسلمون ؟.

ولعلنا بنهاية هاتين الحلقتين من هذا الموضوع قد وصلنا الى اجابة السؤال الأساسي الذي بدأن به وهو: لماذا ينهزم المسلمون ؟ وكيف ينتصرون ؟ ولماذا لايحققون النصر الذي حققه أسلافهم العظام؟

فتدبر هذا المقال التحليلي مرارا وحاول أن تضع بنفسك تصورا أو أجندة متكاملة وعملية لنصرة الإسلام والمسلمين تعتمد على إجابة سؤال هذا المقال التحليلي وهو: لماذا ينهزم المسلمون ؟

فإن لم تصل لهذا التصور أو الأجندة السليمة العملية والموضوعية التي تطبق أو تنفذ إجابة السؤال : لماذا ينهزم المسلمون ؟

فحينها عليك أن تزيد من اجتهادك في التفكير والتدبر والدراسة العلمية الموضوعية، ومع ذلك تلجأ إلى الله وتدعوه بصدق وإخلاص ليهديك للفهم ومعرفة الصواب.

اقرأ الحلقة الأولى هنا..

About The Author

حرب إيران وأميركا

حرب إيران تقترب .. ورطة ترامب وحسابات إسرائيل وحدود الدعم الروسي-الصيني

ترامب

خطة ترامب حول غزة .. الثقة بالشرف البريطاني كلفت مصر احتلالا لـ 74 عاما

تركيا وطالبان أفغانستان

في السياسة.. تعلموا من طالبان أفغانستان وتركيا أردوغان واحذروا ممن سواهم

ربما فاتك

ملفات جيفري إبستين

ملفات جيفري إبستين .. هل يضلل النقاش العربي الرأي العام؟

حرب إيران وأميركا

حرب إيران تقترب .. ورطة ترامب وحسابات إسرائيل وحدود الدعم الروسي-الصيني

مجلس الأمن

غزة ودور المسلمين بعد قرار مجلس الأمن

ترامب

خطة ترامب حول غزة .. الثقة بالشرف البريطاني كلفت مصر احتلالا لـ 74 عاما

تشارلي كيرك

3 فروق بين العربي والأوروبي والأمريكي يكشفها اغتيال تشارلي كيرك

Share via
Copy link