الشعارات السياسية والدعوات الجديدة و مكانها في وعي المسلمين

الشعارات السياسية
الشعارات السياسية والدعوات الجديدة ومكانها في وعي المسلمين هي أحد أهم المشاكل التي تعترض تكوين الوعي الصحيح لدى المسلمين في كل عصر و مصر، لأن التمييز بين الشعارات وما إذا كانت هذه الشعارات صادقة ومعبرة عن جوهر دعوتها أو هي من الشعارات الخادعة التي تستخدم للخداع و التحايل على البشر للايقاع بهم و استغلالهم.
و هذه المشكلة قديمة و تعترض كل البشر منذ أن أسجد الله الملائكة لأبينا آدم و حتى الآن.
الأكثرية تصدق الشعارات السياسية الجذابة
و سبب ذلك أنه يسيطر على عقول أكثر الناس الميل لتصديق أي شعار جذاب دون النظر و البحث في صدقه و مطابقته لحقائق الواقع، خاصة اذا كان الشعار الجاذب يدغدغ “رغبة ما” في نفس المتلقي للشعار.
و يبدو ان هذه هي طبيعة البشر لأن أبانا آدم و أمنا حواء قد فعلا هذا مع ابليس، اذ أكد الله عز وجل لآدم و حواء أن إبليس عدو لهما، و سوف يسعى لإخراجهما من الجنة، و أن هذا سيسبب لهما الشقاء قال تعالى ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى” (سورة طه آيات 116-119).
و بذا فحقيقة الشجرة التي نهى الله آدم و حواء عن الأكل منها أنها شجرة الشقاء، و لكن إبليس سعى للايقاع بآدم و حواء و دفعهما لعصيان الله تعالى فألف شعارا كاذبا و لكنه جذاب كي يخدعهما فدعاهما للأكل من شجرة الشقاء تحت اسم هذا الشعار الكاذب فقال ابليس: “يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى” (طه آية 120) فسمى إبليس الشجرة المحرمة شجرة الخلود و شجرة الملك الخالد.
و نسى آدم و حواء تحذير ربهما من إبليس و من الشجرة و نسيا انها شجرة الشقاء و صدقا أنها شجرة الخلود و الملك الخالد لما في نفسهما من رغبة في الخلود و الملك الخالد.
و هكذا نجد أن البشر في كل زمان و مكان يميلون لتصديق الشعارات السياسية أو أي شعارات جذابة وكذا الإشاعات لاسيما إذا كانت تلبى رغباتهم أو تمنياتهم أو توقعاتهم المأمولة، و هذه الأخيرة هي في الحقيقة مجرد آمال و لكنها بسبب سيطرتها علي عقولهم فإنهم يظنون انها أمر متوقع.

طرق تعاملنا مع المعلومات
و هذا الأمر لا يقتصر على مجرد تلقى الشعارات و الدعوات العامة بل يمتد ليشمل طرق تعاملنا مع المعلومات التي تتدفق على عقولنا عبر سمعنا و بصرنا و مثال ذلك أنه عندما وصل المسلمون موقع معركة بدر جرت القصة التالية:
” ندب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه: فيقول:
ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم: أنا أخبركم هذا أبو سفيان، فهنا تركوه و سألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في أناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف وقال: والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم”” أ.هـ
(رواه مسلم و الامام أحمد في مسنده).
فهؤلاء هم الصحابة لا يريدون أن يكون من سيواجهوه هو جيش قريش بقيادة أبي جهل و يريدون أن يكون من سيجدوه في بدر هو قافلة تجارة قريش بما فيها من مال و ليس فيها مسلحون الا قليل كما قال تعالى واصفا حالهم “وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ” (الأنفال آية 7).
ولذلك فالأسير يذكر لهم الحقيقة و أن من سيواجههم هو جيش قريش لا تجارتها فيضربونه و يكذبوه، و اذا كذب و ذكر لهم ما يحبونه و يرغبون فيه و هو أن الموجود هو عير قريش بقيادة أبي سفيان (قافلة تجارة قريش)، فإنهم يصدقوه و يتوقفوا عن ضربه حتى أخبرهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم الحقيقة.
و لذلك أمر الله أن ترد الأمور الى النبي و أولى الأمر أولى العلم ليميزوا ما بها من خطأ و صواب قال تعالي “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا” (النساء آية 83).

ملخص قواعد التعامل مع الشعارات والمعلومات
و من ذلك كله نخلص إلى التالي:
-إن أي محتال أو صاحب ضلالة لا يروج لكذبه و خداعه أو ضلاله معلنا أنه كاذب أو ضال أو جاهل بل عادة ما يرفع شعارا جميلا و يقدم دعوى جذابة ليجذب له مريدين و ليحسن صورته أمام العالم حوله.
بالضبط كما فعل ابليس مع أبينا آدم و كما قال جد الخوارج لسيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم “اتق الله يا محمد و اعدل” و قال أحفاده للامام على كرم الله وجهه “لا حكم الا لله .. أتحكم الرجال في كتاب الله” ثم كفروا علي و أصحابه من صحابة النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
-إن البشر يميلون لتصديق أي شعار أو دعوى تدغدغ آمالهم و أمانيهم و رغباتهم إن لم يلجموا هذا الميول بفهم و فقه عميق و عزيمة قوية.
-إن الحل الأهم لمواجهة هذه الإشكالية هو العمل على تحصيل الفهم والفقه لحقائق الواقع من ناحية و من ناحية أخرى رد الأمور و المعلومات لأهل الفهم و الفقه لتمحيصها و فهم مراميها و أبعادها و تقدير عواقبها.
و قد يظن البعض أن كلامنا هذا بشأن الشعارات و الدعوات إنما ينطبق على غير الإسلاميين و لكن هذا غير صحيح فما أوردناه هو امر عام يشمل جميع الدعوات و المعلومات و الشعارات.
منطلق واضح لفهم الشعارات المطروحة
و من هذا المنطلق يجب أن نفهم شعارات السلمية و شعارات الجهاد المسلح و شعارات إقامة الخلافة و شعارات الموقف من الشيعة أو من أمريكا أو من حلف الناتو أو أي معلومة مهما كان مصدرها و لنردد دائما قوله تعالى ” وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا”. (سورة النساء آية 83).
و لكن في عصرنا هذا تظل عندنا إشكالية تحتاج لحل سريع و واسع النطاق و هي أن الرؤوس الذين قد يرجع لهم الناس لفهم حقيقة الأمور صار كثير منهم جهالا يفتون بغير علم فيَضلوا ويُضلون الناس..
و قد اقترحنا سابقا حلا لهذا الأمر فننصح بمراجعته و مناقشته.