شهر رمضان .. الشهر الكريم

شهر رمضان الشهر الكريم

شهر رمضان الشهر الكريم

يهل علينا خلال ساعات شهر رمضان ذلك الشهر الكريم الذي يحضر في أجواء من فرحنا وسرورنا بقدومه وترحيبنا به لكنه سرعان ما يولي مسرعا فيعود من حيث آتي دون أن نشبع منه فضلا عن أن نمل منه، ولذا فإننا نظل ننتظره طوال العام بحب واشتياق.

إن شهر رمضان يأتي ويمر سريعا تماما مثلما يمر العمر بسرعة فيربح من يربح ويخسر من يخسر، وكما أن عمر الإنسان يمر بمحطات متعددة يمكنه في كل منها تدارك ما فاته في سابقتها من قصور وتقصير فإن شهر رمضان أيضا مثله مثل العمر به محطات متعددة لكل منها طبيعتها المتميزة.

ففي أوله رحمة، وفي أوسطه مغفرة، وفي آخره عتق من النار، فمن فاته أوله تعلق بأوسطه مسارعا لئلا يقصر فيه كما قصر في أوله، ومن قصر في أوله وأوسطه سارع وصمم علي تدارك كل ما فاته وذلك بالنشاط الدءوب في الذكر والدعاء والصلاة والصدقات وحسن الخلق وعفة النفس واللسان في الثلث الأخير من شهر رمضان.

حيث العتق من النار، وحيث الليالي العشر الأواخر، وحيث ليلة القدر، لكن من فاته رمضان كله فلا يلومن إلا نفسه، ومن مات في إحدي مراحله وهو مقصر فلا يلومن إلا نفسه، وهكذا يتجدد رمضان كل عام ليذكرنا أن العمر محطات ومراحل علينا أن نغتنمها قبل أن تفوت وقبل أن نموت.

ويعلم الجميع أن صوم شهر رمضان يُشعر الأغنياء والمتوسطين بحال الفقراء من جوع وعطش وما ينتج عنهما من جهد وإعياء وشعور بالمهانة والحرمان «وأيضا الشعور بالبرد إذا كنا في الشتاء»، لكن الحالة الرمضانية ليست هذه الأحاسيس فقط.

READ  عقوبة الجلد إسلامية لكنها وسيلة لقمع المعارضين أحيانا
شهر رمضان
شهر رمضان

لأن من هدي النبي صلي الله عليه وآله وسلم في رمضان أنه كان أجود ما يكون في رمضان، وفي هذا إشارة إلي أن رمضان لايشعرنا فقط بمعاناة الفقراء إنما أيضا يخطو بنا خطوة إيجابية تالية تتبع هذا الشعور وتنتج عنه ألا وهي الاجتهاد الحثيث في مساعدة هؤلاء الفقراء والعمل علي رفع المعاناة عنهم، فرمضان ليس شعورا فقط وإنما أيضا سلوك عملي وإيجابي إزاء الفقراء.

وشهر رمضان لا يشعرنا فقط بمعاناة الفقراء وإنما يشعرنا أيضا بحقيقة الدنيا وقيمتها الحقيقية، فمهما كان المسلم غنيا فإنه يمتنع عن الطعام والشراب والجماع لفترة ربما تزيد في المتوسط العام علي 12 ساعة يوميا ولمدة شهر متصل.

وهو مع ذلك يعيش سعيدا ويقوم بأعماله؛ وفي ذلك إشارة واضحة إلي أن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل من متاع الدنيا دون أن يتضرر ضررا فوق الاحتمال؛ وعلي هذا الإدراك يسهل علي الإنسان أن يتحرر من الإغراق في التعلق بالدنيا.

وبذا يتحرر من قيود مثل هذا التعلق فيسهل عليه التخلي عما يشاء من متاعات الدنيا وشهواتها مثل التخلي عن ذلك إن كان حراما أو التخلي عن ذلك إن كان حلالا لكنه سيعيق عن خير أهم من ناحية ترتيب الأولويات.

إن شهر رمضان هو شهر القرآن فقد نزل القرآن في رمضان، كما كان النبي صلي الله عليه وآله وسلم يكثر من تلاوة القرآن فيه، وكان يتدارسه مع جبريل كل ليلة من ليالي الشهر الفضيل، وكان يعرض القرآن عرضة كاملة علي جبريل كل رمضان حتي إذا جاء آخر رمضان قبل موته صلي الله عليه وآله وسلم عرض القرآن علي جبريل عرضتين.

READ  أول مرحلة في هلاك الظالم .. من آيات عظمة وربوبية الله المطلقة

كما سن النبي صلي الله عليه وآله وسلم صلاة التراويح في رمضان بما فيها من تلاوة قرآنية طويلة، ولما كان القرآن فيه شفاء للأمراض القلبية الدينية كالشهوات المحرمة والشبهات المتعددة فإن من شأن التركيز علي تلاوة القرآن ودراسته وتفهمه طوال الشهر الكريم أن يعالج ما لدي المسلم من شهوات محرمة أو شبهات خاطئة ويعطيه دفعة إيمانية قوية تدفعه طويلا بعد الشهر الكريم.

شهر رمضان
شهر رمضان المبارك

الصيام ليس امتناعا عن الطعام والشراب والجماع فقط، بل هواستقامة علي شرع الله في الأخلاق والسلوك فقد قال النبي صلي الله عليه وآله وسلم: «من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به فليس لله حاجة في تركه طعامه وشرابه»، والمقصود بالجهل كل عمل مخالف للشرع لما في مخالفة الشرع من سفاهة وجهالة.

وبذلك يشمل الصيام الامتناع عن جميع المخالفات الشرعية، واعتبر العديد من العلماء أن الغرض من الصيام هو إضعاف النوازع السيئة في الإنسان للتمكين لنوازعه الحسنة من السيطرة عليه وعلي سائر سلوكياته.

كما رأي عدد من العلماء أن الأصل في الصيام كان الامتناع عن جميع المخالفات الشرعية جملة واحدة لكن تخفيفا علي العباد تم جعل الصيام هوالامتناع عن الطعام والشراب والجماع مع جعل الامتناع عن بقية المخالفات متمما لكمال الصيام بحيث يقال هذا صيام كامل بينما من لم يكتمل التزامه يصير صيامه ناقصا وليس باطلا منقوضا.

وعلي كل حال فالمطلوب منا في هذا الشهر الكريم كي نحصل علي ثوابه كاملا أن نجعله مناسبة للاستقامة علي شرع الله وليس مناسبة للانغماس في اللهو واللغو والمحرمات الشرعية تحت دعوي الترفيه والتسلية والاحتفال برمضان.

READ  عبقرية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. ألفه العقاد في 30 عاما

علينا أن نمارس ذلك كله في رمضان يوما بعد يوم طوال الشهر لنعتاد الممارسة فيصبح ذلك كله سلوكا ثابتا حتي بعد انتهاء الشهر الكريم، ثم إذا استمر هذا السلوك فترة طويلة فإنه يصير سجية راسخة في سلوكنا.

وحتي الذين ينشطون في رمضان فقط ويكسلون بعده فإنهم بتكرار المواظبة في رمضان فقط من كل عام علي مر السنين فربما يتحسن سلوكهم العام عمن لا ينشطون لا في رمضان ولا في غير رمضان.

ــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في جريدة الدستور المصرية

About The Author

السطحية

ظاهرة السطحية في فكر المسلمين قديما وحديثا .. الأسباب والعلاج (2 من 2)

السطحية

ظاهرة السطحية في فكر المسلمين قديما وحديثا .. الأسباب والعلاج (1 من 2)

منهج تثقيف سياسي

لا كهنة للإسلام .. والقول الفصل للفقهاء وأهل العلم

ربما فاتك

ملفات جيفري إبستين

ملفات جيفري إبستين .. هل يضلل النقاش العربي الرأي العام؟

حرب إيران وأميركا

حرب إيران تقترب .. ورطة ترامب وحسابات إسرائيل وحدود الدعم الروسي-الصيني

مجلس الأمن

غزة ودور المسلمين بعد قرار مجلس الأمن

ترامب

خطة ترامب حول غزة .. الثقة بالشرف البريطاني كلفت مصر احتلالا لـ 74 عاما

تشارلي كيرك

3 فروق بين العربي والأوروبي والأمريكي يكشفها اغتيال تشارلي كيرك

Share via
Copy link