المسلمون والأزمة المالية العالمية

الأزمة المالية العالمية

عصفت الأزمة المالية العالمية بالنظام المالي الدولي الراهن ولن يخرج العالم من الأزمة إلا وقد تغيرت الخريطة المالية الدولية بما يسستتبعه ذلك من تغيير خريطة النظام السياسي الدولي بدرجة ما.

النظام الدولي الجديد

و تشير ملامح الأزمة المالية الحالية و متغيرات الواقع السياسي الدولي إلى أن النظام الدولي الجديد سيكون متعدد الأقطاب حيث ستتوزع القوة الدولية بين عدة أقطاب بعدما كانت مركزة في قطب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية.

صحيح أن التغيرات الاقتصادية والتطورات في عالم الاتصال لن تجعل الصراع أو التنافس الدولي بالشكل الذي ألفه العالم على مر تاريخه.

وذلك بسبب تداخل و تشابك المصالح الاقتصادية والمالية وبسبب ثورة وسائل الاتصال التي يصعب على أي أحد أن يوقفها، و لكن لا شك أن عناصر القوة والتأثير لن تظل رهنا لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بل ستتوزع فيه بين عواصم دول عدة منها روسيا و الصين و الهند و اليابان و الاتحاد الأوروبي بجانب الولايات المتحدة.

و من الطبيعي أن تزداد استقلالية حكومات العالم الاسلامي في صنع القرار خاصة فيما يخص سياستها مع شعوبها بعدما يترسخ النظام الدولي الجديد، و تعطي هذه الاستقلاالية لهذه الحكومات قدرات أكبر في البطش بمعارضيها.

و ان كان هناك عامل أخر مضاد و لكنه أقل تأثيرا و هو انتعاش الاتجاهات الدولية المدافعة عن الحريات و حقوق الانسان.

الأزمة المالية

و هذه الاستقلالية سوف تؤدي إلى مزيد من الضغط على الحركات الاسلامية عبر التدابير الحكومية القمعية و السياسية على حد سواء، لكن ستظل هذه الحكومات معرضة لضغوط المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الانسان مما يخفف قليلا من قمعها و لكنها قد تقل حساسيتها لهذه الضغوط بسبب أنه لا توجد حكومات من الأقطاب الدولية ممكن أن تدعم هذه المنظمات سوى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

READ  الصراع السياسي والاستراتيجي وأسرار نوايا قادة الحركات الإسلامية [دراسة تحليلية]

بينما يمكن لحكومات الدول الإسلامية أن تلجأ لأقطاب دولية أخرى لا يهمها منظمات حقوق الإنسان من قريب و لا من بعيد مثل الصين و روسيا و الهند أو حتى إيران أو إسرائيل (فكلتاهما قوة إقليمية عظمى) كى تستند إليها في مواجهة الغرب المساند ( شكليا) لقضايا الديمقراطية وحقوق الانسان.

قدرة الحكومات على القمع و الاستبداد

و رغم ذلك كله فلابد من رصد العديد من المتغيرات السياسية و الاقتصادية و تأثيرها على النحو التالي:

كما أن التعددية القطبية في النظام الدولي ستتيح لحكومات العالم الإسلامي منفذا تقاوم به الضغوط الغربية بشأن تقليل القمع والاستبداد تجاه شعوبها، فإن الأزمة المالية وما يتبعها من خلل اقتصادي مؤثر سيضعف قدرة هذه الحكومات على القمع و الاستبداد كل بقدر درجة أزمته لأنه من المعروف أن ضعف حكومة ما اقتصاديا يتبعه ضعفها سياسيا.

كما أنه كلما قلت إنجازات حكومة ما الاقتصادية و السياسية كلما تآكلت شرعيتها السياسية أمام شعبها. و هذا الضعف طبعا إذا أصاب المستبدين فإنه يخدم قضية الحريات و تخفيف قبضة الاستبداد و تقليل القمع.

سيخف الضغط الدولي بدرجة ما عن الحركات الإسلامية بصفة عامة و السلمية منها بصفة خاصة كجزء من نتائج الهزائم الأمريكية و الغربية و هزائم حلفائهم في أفغانستان و العراق و الصومال.

و كذلك بسبب نتائج الأزمة المالية العالمية و ما يتبعها من مشاكل اقتصادية، و هذا سيصب في مصلحة حركة هذه التيارات سياسيا كل في محيطه، كما أن هزائم الغرب و حلفائهم ستستخدم دعويا اسلاميا لضم مزيد من الأنصار للحركات الاسلامية بكافة اتجاهاتها.

READ  ثورة وحراك الشعب العربي فى العراق و لبنان .. تأملات أولية مهمة

بعد الهزائم والأزمات التي مني بها الغرب وحلفاؤه ستتعلم “إسرائيل” أنها يجب أن تتعامل مع الحركات الإسلامية وبالتالي ستفضل التعامل مع التيارات ذات الطبيعة السلمية، كما أنها ستتعامل مع التيارات المسلحة التي لن تجد بدا من التعامل معها كـ”حماس”، كما أنها لن تمانع من التفاهم والتعاون مع جهات لديها نمط من البرجماتية يدفعها للتفاهم مع إسرائيل و أبرز مثال على ذلك هو إيران و حزب الله و القوى الشيعية العراقية و نحوها.

الثورات العربية

و لن تتفاهم إسرائيل (ولا الغرب بطبيعة الحال) مع القاعدة أو الجهاد المصري أو السلفية الجهادية في أي مكان لأنها غير مضطرة لذلك لا الآن و لا في المدى المنظور.

لكنها (هي و الغرب) قد تضطر للتفاهم مع طالبان في أفغانستان و شباب المجاهدين في الصومال إذا انتصرتا و سيطرتا على البلد، لاسيما و أن طالبان و شباب المجاهدين أكثر عقلانية و رغبة في التفاهم من القاعدة و من السلفية الجهادية.

الحركات الجهادية السنية

ستستمر إيران في غض الطرف عن الحركات الجهادية السنية ما دامت تستنزف الغرب وحلفائهم في المنطقة بما لا يهدد مصالح ايران ولا أتباعها و لا مناطق نفوذها، كما ستستمر إيران بنجاح في السعي لتقسيم المصالح و مناطق النفوذ في المنطقة بينها وبين الولايات المتحدة و الغرب.

و عندما تستقر مناطق النفوذ الإيرانية و تتراضى عليها مع الغرب ويتم ترسيم حدود نفوذ كل منهم بدقة فإن ايران ستحاول منع الحركات الإسلامية السنية من الحركة في مناطق نفوذها و حينئذ إما تتحول حراب الحركة الإسلامية السنية إلى صدر إيران بدل الغرب داخل هذه المناطق أو تنسحب الحركة الاسلامية السنية من هذه المناطق تاركة لمتشددي الشيعة حرية تحويل جماهير السنة في هذه المناطق إلى التشيع.

READ  إعلان أننا لا يمكننا أن نحارب إسرائيل سذاجة سياسية وإستراتيجية

وذلك كما حدث في العصر الصفوي، كما ستتعاون إيران (في حالة ترسيم خطوط مناطق النفوذ هكذا) مع الغرب لضرب الحركة الإسلامية السنية المسلحة.

الأزمة المالية

هل يتغير جوهر الرأسمالية؟

سيضع العالم بقيادة الغرب تدابيرا مالية جديدة للتقليل من مخاطر تكرار الأزمات المالية المماثلة، وستمثل هذه التعديلات تغييرا هيكليا في جوهر الرأسمالية، و رغم أنهم سيضعونها تحت مسمى “تطوير النظام الرأسمالي المعاصر” إلا أن بعضا من هذه التدابير ستقترب كثيرا من تعاليم و أحكام اقتصادية إسلامية موجودة في نص السنة النبوية المطهرة.

و رغم أنهم وصلوا لها بالتجربة والخطأ إلا أنه سيمكن للدعاة الإسلاميين الاستدلال بذلك على صلاحية أحكام الإسلام لكل زمان و مكان، و على كون الإسلام قد جاء بما فيه تحقيق مصالح البشر الدنيوية بجانب الأخروية على حد سواء.

و انتهاز هذه الفرصة سيمكن دعاة الحركة الإسلامية من التوغل في فئات مجتمعية ومناطق جغرافية لم يكونوا متمكنين من الانتشار فيها من قبل، مما سيعطي الحركة الإسلامية مزيدا من القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

سيؤدي تعدد أقطاب النظام الدولي الجديد إلى إتاحة الخيارات أمام الحركة الاسلامية سواء على المستوى الدعوي (الفضائيات و الانترنت و نحوهما) أو على مستوى الحركة الإقتصادية و السياسية، مما يقلل (و لا يزيل) مخاطر الحصار الدولي على الأقل تجاه الحركات الاسلامية السلمية.

ستتضرر شعوب العالم الإسلامي (و أغلبها من الفقراء) من الأزمة المالية الدولية في بعض الميادين، و لكنها قد تكون أقل تضررا من الغرب، و كما أنها قد تعودت على شظف العيش، مما يعني أن انتفاع الشعوب الإسلامية من فوائد الأزمة المالية العالمية أكبر من ضررها و عظم الانتفاع سيكون سياسيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتبت هذا الموضوع لمجلة البيان الشهرية الصادرة في لندن و نشر بعدد جمادى الآخرة 1430هـ ، كما نشرته في مدونتى القديمة.

About The Author

Share via
Copy link