نماذج الاستقلال من حماس وإيران إلى قراصنة الصومال .. 4 أنماط

القرصنة
حدثت عدة أحداث في الأسبوع الأخير يشير كل منها لنمط من أنماط الاستقلال في التعامل مع النظام الدولي وهذه الأحداث هي بغض النظر عن الترتيب:
استمرار رفض حماس للشروط الأمريكية والإسرائيلية التي تطرحها عليها فتح بالوكالة عنهما.
بيع اسرائيل ثلاث طائرات عسكرية تطير بدون طيار لروسيا الاتحادية و الكشف عن شراء الهند قمرا اسرائيليا للتجسس ذا قدرات واسعة.
زيادة نشاط عمليات القرصنة على سواحل الصومال و تهديدها لحركة التجارة الدولية عبر خليج عدن و البحر الأحمر مما دعا بعض وسائل الاعلام لاطلاق القول بأن خليج عدن صار تحت رحمة القراصنة.
إعلان احمدي نجاد بأن ايران صارت تمتلك الدورة الكاملة لعملية تخصيب اليورانيوم وأنها لن توقف التخصيب وأنها تسعى من وراء ذلك للإكتفاء الذاتي من اليورانيوم المخصب اللازم لعمل أي محطات نووية تشغلها ايران في الحاضر او المستقبل.
قراصنة الصومال
فكل جانب من هذه الجوانب الأربعة للأحداث صدر عن كيان سياسي ما:
واحد صدر عن القراصنة الصوماليين الذين لاذوا برقعة من الأرض بها ميناء على البحر الأحمر أوخليج عدن وانطلقوا منه يهددون التجارة العالمية لأعتى الدول والقوى الدولية بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا كي يكسبون ملايين الدولارات كفدية لقاء إطلاق السفن التي يختطفونها.
لقد مارس القراصنة هذا العمل دون دعم دولي ودون معونات دولية ودون علاقات مع احدى القوى الدولية الكبرى ودون تمثيل في الأمم المتحدة، ودون أي رضا من النظام الدولي عما يقومون به، ورغم ذلك كله نجحوا في تحقيق أهدافهم و لو إلى حين باستقلالية كاملة و بامكانات محدودة.
إسرئيل وتقدمها
و اذا كان نشاط القرصنة هو نشاط مناوئ ومعاند للقوى الدولية الكبرى والنظام الدولي الرسمي فإن نموذجا آخر من الاستقلال والنجاح في تحقيق الأهداف الذاتية جاء متوافقا مع النظام الدولي، هذا النموذج هو الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

فنرى النجاح و التقدم الاسرائيلي في مجالات التكنولجيا العالية وأبلغ مثال على ذلك خبر بيعها ثلاث طائرات بدون طيار لروسيا الاتحادية وروسيا معروفة بتقدمها البالغ في تكنولوجيا تصنيع الأسلحة المتقدمة لكن إسرائيل نجحت في أن تجعل تقدمها في تصنيع الطائرات بدون طيار يستدعي أن تشتريها منها روسيا كي تجري عليها العديد من الأبحاث و كذا مقارنتها مع ما تصنعه روسيا في هذا المجال.
ومن المعروف أن الطائرات بدون طيار تحتاج تكنولوجيا عالية ليس فقط في مجال صناعة الطائرات ولكن أيضا في مجال الحاسبات الآلية والاتصالات والبرمجيات، وهذه المجالات هي نفسها التي ترتكز عليها الصناعة المتقدمة للأقمار الصناعية خاصة أقمار التجسس وقد كشف النقاب منذ أيام عن حصول الهند على قمر تجسس متقدم جدا من إسرائيل وإعدادها لاطلاقه من الهند.
و هذا كله يشير لمدى التقدم المستقل الذي حققته اسرائيل بشكل جعل قوى دولية كبرى معروف عنها تقدمها في تصنيع السلاح كروسيا و الهند و قبلهما فرنسا (اشترت في العام الماضي طائرات بدون طيار من اسرائيل) تحتاج لأن تشترى سلاحا متقدما من اسرائيل.
نموذجان للاستقلال
و رأينا في الأيام الأخيرة نموذجان للاستقلال في تحقيق الأهداف الذاتية واحد متوافق و متحالف مع النظام الدولي والقوى الدولية وواحد مناوئ لها الأول مرموق و متقدم و الثاني يحاول ان يتملص من ربقة الفقر المدقع، ونجد بينهما نموذجان اختلفا مع النظام الدولي والقوى الدولية لكن عنادهما ليس بقوة عناد قراصنة الصومال هما جمهورية إيران وكذلك حكومة حماس في غزة.

الأولى أعلنت منذ أيام عن اتمام امتلاكها للدورة الكاملة لتخصيب الوقود النووي كما أنها كل يوم تعلن عن تقدم ما في التصنيع خاصة تصنيع السلاح بالرغم عن الرغبات المعاكسة من النظام الدولي بمؤسساته وقواه المختلفة وعلى الرغم مما يتبع ذلك من عقوبات وحصار بأشكال مختلفة.
حكومة حماس
الثانية وهي حكومة حماس نجحت منذ توليها الحكم منفردة في غزة قبل عام في ادارة القطاع رغم كل الجهود الدولية والاقليمية بل والمحلية الساعية لاسقاطها أو التسبب في انهيارها.
لقد نجحت حماس ليس في الأمن السياسي فقط الذي قلم اظافر منافسيها ومنعهم من الانقلاب عليها بل أيضا في الأمن الشامل حيث نجحت في حماية حدودها ضد إسرائيل في حرب غزة الأخيرة وأرغمت إسرائيل على الانسحاب كما أنها نجحت في الأمن الغذائي فرغم الحصار والآلام مازالت غزة تعيش حيث يتم تدبير المتطلبات الأساسية من غذاء ودواء وسلاح و ذخائر لو بعناء ولو بالتهريب.
ومع ذلك لم تلن إرادة حماس ولم تزل تصر على مواقفها السياسية وترفض الخضوع لإسرائيل أو حليفتها الولايات المتحدة أو تابعتها فتح.
قد يظن البعض أن الأحداث الأربعة التي تناولناها هنا بالتحليل لا صلة بينها وإن عبرت عن معنى واحد هو الإصرار على تحقيق الأهداف الذاتية لكيان ما بغض النظر عن المؤثرات الدولية، و لكن في واقع الأمر فإن الأحداث الأربعة وإن أشارت لهذا فهي أشارت أيضا لأمرين مهمين:
الأول- أن النجاح في تحقيق أهداف كيان سياسي ما له طرق و أنماط متعددة منها ما يأتي بالتعاون و التحالف مع النظام و القوى الدولية و منها ما يأتي بالتصارع و العناد معها أو مع بعضها، و في كل الأنماط يمكن النجاح خاصة إذا كان الهدف هو القرار المستقل أو تحصيل القدرة على النمو و التفوق و الاستقلال المادي او التكنولوجي او الاقتصادي.
الثاني- أن هذه الأحداث الأربعة تشير لمستقبل المنطقة من حيث القوى المؤثرة فيها فاسرائيل تتعاظم قوتها الذاتية و من ثم تاثيرها الاقليمي و الدولي و هي ان اخفقت امام صعود قوى اخرى في المنطقة كقوى المقاومة فلأسباب اخرى غير مادية انما اغلبها معنوية كقوة الحق و الايمان و صدق العزيمة و الاخلاص للأهداف.
وإيران تتصاعد قدراتها على الحركة المستقلة بسبب تقدمها في تكنولوجيا تصنيع السلاح واهتمامها بقدرتها في هذا المجال وغيره من مجالات القوة و القدرة.
وحماس نموذج لقوة بازغة في المنطقة تحاول شق طريقها بصعوبة في عالم يتحكم فيه الأقوياء القادرون فقط.

أما قراصنة الصومال فهم نموذج للشعوب المستضعفة في منطقتنا الاسلامية والذين فشل ساستهم في تحقيق رغبات شعوبهم المشروعة للعيش في حياة كريمة و مستقلة، فلجأوا لأسلوب مختلف للحصول على هذه الحياة….
لاشك أن مسلكهم فيه ما فيه من خطأ … و لكن شئنا أم أبينا فالشعوب او ذوي العزائم من هذه الشعوب المظلومة قد لا يصبرون على اخفاقات ساستهم في مجالات التنمية و الاستقلال الحقيقي و حينئذ لن يعبروا عن نفاد صبرهم بأساليب مأمونة و لا مشروعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الموضوع كتبته و نشرته ولا أذكر تاريخه لكني نقلته من المدونة القديمة الى المدونة الأخرى (على بلوج سبوت) بتاريخ 17 أبريل 2009 ، و كنت كتبته قبل هذا التاريخ بفترة لا أذكرها الآن.