المنتحرون في المعتقلات السياسية .. إغتيال أم انتحار؟ 5 سطور بصفحة الحوادث

المنتحرون في المعتقلات السياسية - صورة رمزية
المنتحرون في المعتقلات السياسية هل تمثل حالاتهم حالات إغتيال أم هي انتحار حقيقي ؟ .. ربما سهل علينا أن نفهم أو نقتنع أن مسجونا أو معتقلا جنائيا قد أدت به الضغوط النفسية التي طوقت رقبته في السجن إلى الانتحار، سواء كانت هذه الضغوط مصدرها إدارة السجن أم زملائه في الزنزانة أم أسرته خارج السجن، لأن الصورة الغالبة عندنا عن السجين أو المعتقل الجنائي أنه شخص ضعيف الإيمان وضعيف الخلق مما دفعه لإرتكاب جرائمه أصلا التي أودت به للسجن.
وذلك بغض النظر عن صحة هذه النظرة و ذلك التعميم أم لا، كما أن إمكانية أن يموت السجين الجنائي تحت تأثير المخدرات أمر وارد و ممكن تصديقه.
أما السجين والمعتقل السياسي فإن معظم هذه الأمور تنتفي في حقه من عدة نواحي، فالسجين و المعتقل السياسي عادة ما يكون على درجة لا بأس بها من الوعي و الثقافة و الصلابة يمنعه من اللجوء للإنتحار كوسيلة وحيدة للخروج من أزمته أو للهروب من ضغوط التعذيب أو سوء المعاملة في السجن، كما أن أكثر المعتقلين والسجناء السياسيين في العشرين سنة الأخيرة من الإسلاميين.
و من ثم فهم لديهم إيمان راسخ بأن الانتحار هو من أكبر الكبائر، و يمثل وجود جيش من المحاميين و منظمات حقوق الانسان المهتمين بالمعتقلين السياسيين و المدافعين عنهم عاملا مهما أيضا، لأنه يمثل ملجأ يلجأ إليه المعتقلون و السجناء السياسيون في حالة تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة أو الحاجة لطلب اي مساعدة, و انطللاقا من ذلك كله تأتي صعوبة أن نصدق بأن معتقلا أو مسجونا سياسيا قد انتحر في سجنه.

خصومة المسجون السياسي والأجهزة الأمنية
و تعتبر حالة الخصومة بين المعتقل أو المسجون السياسي و بين الأجهزة الأمنية دافعا بارزا لعدم القبول بفكرة انتحاره والميل لفكرة إغتياله لأسباب سياسية، و ذلك لأن هذه الأجهزة التي تشرف على السجن هي رمز للحكومة التي عارضها هذا السياسي المعتقل و من ثم اعتقل بسبب هذه المعارضة.
و الشائع أنه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر لم يعلن عن منتحرين سياسيين في السجون رغم كثرة المعتقليين و المسجونيين السياسيين في عصره، و لكن الذي شاع أنه كان يجري قتل معتقلي الإخوان المسلمين والشيوعيين تحت التعذيب في السجون ثم يتم دفنهم في الصحراء، و يدون في الأوراق أنه هرب من السجن.
و في عهد الرئيس أنور السادات لم يتعرض المعتقلون لما تعرض له نظرائهم أيام جمال عبد الناصر بسبب اختلاف المرحلة و رفع أنور السادات لشعار سيادة القانون و أغلق للمعتقلات، و الذين اعتقلوا ايام أنور السادات و تعرضوا للتعذيب لم يصل بهم التعذيب لدرجة الموت، و بالتالي فلا يذكر أحد أنه تم الابلاغ عن حالات انتحار أو اختفاء لأحد من المعتقلين السياسيين في عصره.
عجلة التعذيب في عصر حسني مبارك
ثم يأتي عصر الرئيس حسني مبارك حيث بتولي حسني مبارك الحكم وقد بطش أنور السادات بالمعارضة من كل الأطياف السياسية والدينية قبل إغتياله بشهر بل وتم إغتيال أنور السادات على يد مجموعة من أعضاء تنظيم مسلح معارض وهو تنظيم الجهاد ومن ثم ضخت الأجهزة الأمنية مزيدا من المعتقلين السياسيين في السجون و دارت عجلة التعذيب.
و أشهر و أول من ذكر انتحاره في ذلك الوقت (ثاني شهر من حكم الرئيس حسني مبارك ) هو كمال السنانيري القيادي البارز في جماعة الاخوان المسلمين و الذي تم اعتقاله مع غيره من المعارضين بقرار الرئيس أنور السادات (في 5 سبتمبر1981م) وتعرّض “السنانيري” في أثناء اعتقاله لتعذيب رهيب أملاً في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، و كان قد تجاوز الستين من عمره.
ومع هذا فإن إدارة السجن أبلغت مكتب النيابة العامة بالمعادي أنه وجد في زنزانته مشنوقا في فوطة معلقة في أسفل حوض الصنبور الموجود في الزنزانة صباح 8 نوفمبر1981م، ورفضت أسرة السنانيري وجماعة الاخوان المسلمين الرواية الأمنية للحدث وقالوا كيف ينتحر رجل مؤمن كالسنانيري؟
و كيف صبر في سجون جمال عبد الناصر على أهوال التعذيب و سوء المعاملة عشرين عاما ثم يأتي اليوم لينتحر بعد اعتقاله بشهرين فقط؟

و لازالت قضية مقتل كمال السنانير تثير الجدل كلما ذكرت, فبينما تعبرها الأجهزة الأمنية مجرد عملية انتحار قام بها معتقل سياسي, تعتبرها أسرة كمال السنانيري و جماعة الاخوان المسلمين عملية إغتيال سياسي.
و ربما كان كمال السنانيري أوفر حظا بعد موته إذ تقف وراء قضيته أسرة واعية و جماعة قوية هي جماعة الإخوان المسلمين بآلتها الاعلامية الضخمة التي تذكر الرأي العام من حين لآخر بقضيته.
لغز موت سليمان خاطر
لكن هناك العشرات غيره من المسجونين و المعتقلين السياسيين ممن ذكرت الأجهزة الأمنية في أوقات مختلفة أنهم انتحروا في سجنهم منهم من هيأت الظروف لكي تتداول قصة انتحاره وسائل الاعلام منهم من لم تتح لقصته فرصة التداول الاعلامي الكافي فاقتصر الأمر على خبر من خمسة سطور في صحيفة قومية بصفحة الحوادث.
فممن ساهمت ظروف قضيته أن تهتم بموته في السجن منتحرا كان أم مغتالا سليمان خاطر جندي الأمن المركزي الشرقاوي الذي وجد صريعا في زنزنزانته بالسجن الحربي بعدما كان أدين بقتل سبعة من الإسرائيليين في سيناء بسلاحه الميري في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، و كالعادة كانت الرواية الرسمية أنه انتحر بينما رفضت أسرته و العديد من وسائل الاعلام هذه الرواية.
و تسائلت أسرته عن سبب طلبه لكتبه الدراسية قبل موته بيوم واحد فلو كان سليمان خاطر شخصا يميل للانتحار فلماذا طلب كتبه الدراسية وطلب من أهله قبل مصرعه بيوم عمل الإجراءات الرسمية اللازمة كي يلتحق بالإمتحان هذا العام؟
كل هذه كانت تساؤلات أسرته و شكوكهم التي روجتها وسائل صحف المعارضة في ذلك الحين، و قد اندلعت مظاهرات طلابية عارمة في ذلك الحين احتجاجا على رواية انتحاره و خاصة في جامعة الزقايق حيث كان سليمان خاطر منتسبا لها.
و مرة أخرى ظل الوضع كما هو عليه دفن سليمان خاطر في حراسات أمنية مشددة و لم تقبل اسرته رواية الحكومة و لم تتنازل الحكومة عن روايتها بأنه مجرد انتحار عادي لسجين سياسي في سجنه.

و من الحوادث الأخيرة و المشهورة حول مقتل مساجين أو معتقلين سياسيين في السجن و اعتبار إدارة السجن أنهم انتحروا مصرع أيمن اسماعيل و الذي كان متهما في قضية الدكتور أيمن نور الشهيرة، و قد استمد مصرع أيمن اسماعيل شهرته من شهرة قضية و مكانة الدكتور أيمن نور وحساسية قضيته التي يعتبرها الكثيرون صراعا سياسيا بين أيمن نور و جمال مبارك شخصيا على انتخابات الرئاسة القادمة عام 2011م.
5 سطور في صفحة الحوادث
أما العديدون الذين لقوا حتفهم في السجن و لم يحظوا سوى بخمسة سطور في صفحة الحوادث في إحدى الصحف فهم كثيرون و يصعب إحصائهم أو قل إن شئت الدقة فإن إحصائهم من السهل الممتنع….
لماذا هو من السهل الممتنع؟
من السهل لأن كل ما يحدث في السجون أو أماكن الاحتجاز يتم تقييده في دفاتر و سجلات رسمية.
كما أنه عندما يموت أي معتقل أو مسجون في مكان ما فإن إدارة السجن تقوم بإبلاغ مكتب النيابة العامة التابع لها السجن وتقوم بعد ذلك النيابة بمعاينة الجثة والتحقيق بشأن وفاته مع كل من مأمور السجن ونائبه ورئيس مباحث السجن وقائد العنبر الذي توفى فيه السجين وزملائه في الزنزانة التي توفى بها (حسبما تحددهم ادارة السجن) و طبيب السجن، كما يقوم الطبيب الشرعي بكتابة تقرير طبي بشأن الوفاة في حالة وجود شبهة جنائية حول موته.
و تظل كل هذه الوراق محفوظة في النيابة لأجل غير مسمى، لكن من الصعب أن نتتبع هنا كل هذه الأوراق لنعلن اسماء العشرات الذين توفوا في السجن وقيل أنهم انتحروا أو ماتوا بسبب الأمراض بينما اعتبرتهم أسرهم أنهم تم اغتيالهم في السجن لأسباب سياسية، نعم ممكن أن تقوم منظمة حقوقية بتيني مشروع كبير لتتبع هذه الأوراق و توثيق مثل هذه الحالات، و لكن هذا لم يحدث حتى الآن.
لكن هناك العديد من الأسماء التي يمكن أن نذكرها هنا على إعتبار أنها أمثلة على حالات الإنتحار أو الإغتيال التي تمت لمعتقلين سياسيين فمن أوائل هؤلاء محمد البلتاجي الذي كان مخرجا إذاعيا و تم اتهامه في قضية تنظيم الجهاد الكبرى إثر إغتيال الرئيس السادات عام 1981م و لكن المحكمة برأته في نهاية عام 1984م وبعد الافراج عنه بشهور قليلة تم اعتقاله ووجد صريعا في زنزانته الانفرادية بسجن استقبال طرة.
و قالت إدارة السجن انه انتحر عبر صعق نفسه بالكهرباء، بينما رفض عبود الزمر في تصريح صحفي له الرواية الأمنية و اتهمهم بقتله وكان البلتاجي من أصدقاء عبود الزمر في السجن.

و بعد افتتاح سجن الواحات الجديد (الوادي الجديد) بشهر واحد (افتتح للسياسيين في فبراير 1995م) لقي ستة معتقلين مصرعهم في عنبر التأديب بالسجن و كان أحدهم المعتقل الإسلامي عادل طه الذي قيل أن أحد ضباط السجن (م.ع) كان قد توعده قبيل نقله لسجن الواحات بيوم و تراوحت روايات السجن بشأن هؤلاء الستة وغيرهم ممن لقوا حتفهم بسجن الواحات، وغيره من السجون الجديدة التي بنيت كلها في الصحراء بين الانتحار او الموت بأمراض.
و لم تكن أجواء الأعمال المسلحة للجماعة الاسلامية و تنظيم الجهاد وقتها ضد رموز الحكم و السياح تسمح لأحد بأن يتظاهر أو يتسائل كما حدث أيام سليمان خاطر، لكن تمت عدة إجراءات تشير لعدم رضى جانب من الأجهزة الأمنية نفسها عن ما حدث إذ أمرت نيابة الواحات بغلق عنبر التأديب بالسجن.
و حتى عندما أعيد إفتتاحه بعد عدة شهور لم تسمح إدارة السجن بوضع السياسين فيه، و ظل على هذا الحال لأكثر من عام، و من ناحية أخرى قامت الإدارة العامة للسجون بنقل مدير منطقة السجون التابع لها السجن، و كان برتبة لواء و وضعت مكانه لواء جديد.
و في عام 2005م أعلنت أجهزة الأمن أن أشرف سعيد قد انتحر في زنزانته بضرب رأسه في جدران الزنزانة حتى توفى، و كان أشرف سعيد قد اعتقل على خلفية علاقته بمن قاموا بتفجير الأزهر و عبد المنعم رياض في نفس العام، و لم يقبل زملاء أشرف في السجن رواية إدارة السجن كما لم تتراجع إدارة السجن عن تأكيدها بأنه إنتحر كأي منتحر.
و هكذا تظل روايات انتحار المعتقلين و المسجونين السياسيين في السجن معلقة بين رواية رسمية تؤكد الانتحار و رواية غير رسمية تتهم إدارة السجن بإغتيال المسجون أو المعتقل السياسي، و تظل هذه القضية مظلومة ليس بسبب الخلاف حولها و عدم القطع فيها برأي يستريح له الرأي العام و التاريخ بل أيضا بسبب أن أيا من منظمات حقوق الانسان الذين تعج بهم البلاد لم تسع لتوثيق هذه الحالات و بحثها و إعلان نتائج موضوعية بشأنها.
ــــــــــــــــــــــــــ
نشرت هذا الموضوع في العدد الأسبوعي من جريدة الدستور المصرية.