أولويات النضال السياسي .. 3 منها هي الأهم

النضال السياسي
ما هي أولويات النضال السياسي في هذه المرحلة من حياة الأمة العربية والإسلامية ؟ .. تشهد الساحة السياسية في مصر وفى سائر أنحاء العالم الإسلامي نضالا سياسيا يهدف إلى تحقيق الإصلاح والنهوض، والتقدم ورغم النجاحات التي حققها هذا النضال السياسي فإن الإخفاقات والانتكاسات التي أصابت الحركة السياسية المعارضة الداعية للإصلاح أكبر وأعمق من هذه النجاحات.
وهذا يدعونا للتأمل بعمق في أسباب هذا الإخفاق، وكذلك التأمل في أولويات النضال السياسي في هذه المرحلة.
وإذا أردنا أن نحدد جميع أسباب الإخفاق فإن ذلك سوف يتطلب بحثا طويلا لا يقوم به فرد واحد بل مجموعة كبيرة من الباحثين، ولكن يمكننا أن نشير في عجالة إلى أحد أبرز أسباب هذه الهزائم والإخفاقات، ألا وهو عدم ترتيب الأولويات تارة أو الخطأ في ترتيب الأولويات تارة أخرى.
وبعيدا عن الدخول في تفصيلات كثيرة فيمكننا القول باطمئنان أن النضال السياسي الإسلامي وغير الإسلامي (كالعلماني أو القومي أو الماركسي مثلا) ينبغي أن يتركز على تحقيق الحريات السياسية والحكم الراشد إن جاز التعبير.
ولكن لماذا حددنا هذه الأولوية على رأس أولويات النضال السياسي في العالم الإسلامي؟
في الواقع إن لدينا أزمة فكرية وحضارية لها أسباب كثيرة أبرزها انقطاع التطور الحضاري لأمتنا وذلك الانقطاع له سببان:
الأول- مرحلة الجمود والتخلف الحضاري، بالإضافة إلى التمزق السياسي الذي ساد مرحلة ما قبل الاحتلال الغربي الحديث للعالم الإسلامي.
الثاني- الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي في العصر الحديث، ثم استمرار سيطرته الامبريالية بعد التحرر السياسي فيما يطلق عليه الاحتلال الجديد أو الاحتلال الاقتصادي.

وقد أدى هذان السببان إلى تعويق التطور الفكري في معظم المجالات بدرجات متفاوتة، ومن ثم إلى انتكاسة حضارية نصطلى بنارها كما هو مشاهد في الواقع الحالي، ذلك الواقع الذى وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل 1400 عاما بقوله “يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قيل أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: لابل أنتم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل”.
وكلنا يدرك بجلاء حالة الغثائية التي نعيشها.
وبالتالي فإننا لنرتقي بهذا الواقع وننهض ونتقدم لابد من حل أزمتنا الفكرية في كل المجالات، وأن نصل انقطاعنا الحضاري الذى حدث، ولن يتم هذا إلا في إطار إدارة رشيدة للصراعات الاجتماعية والفكرية، ولا إدارة رشيدة إلا في ظل حكم إسلامي رشيد أي حكم قائم على الشورى والاختيار الحر للحاكم والرقابة الشعبية والقضائية على الحاكم وأعوانه والاستقلال التام للقضاء…….إلى اخر معالم الحكم الإسلامي الصحيح.
لكن نظرا للأزمة الفكرية الراهنة وتعدد التيارات الفكرية ما بين إسلامية وعلمانية فلا مجال الآن إلا للاختيار بين أحد بديلين الديكتاتورية أو الليبرالية في الحكم.
فأنا بصفتي أنتمى للحركة الاسلامية ومؤمن بنظام الحكم الإسلامي، وأعتقد جازما أن الاسلام يشمل شئون الدين وشئون الدنيا إجمالا، فأنا أرى أن الحكم الإسلامي وفق التشريع السياسي الإسلامي الصحيح هو الحل، ولكن نحن الآن بصدد الكلام عن المتاح مع الكلام عن أولوية تتجمع عليها كل التيارات العقائدية والفكرية وليس الاسلامية فقط.

وبناء على ذلك فالواضح أن تركيز كل القوى الاسلامية والوطنية على ترسيخ ليبرالية الحكم وديموقراطيته سيفيد الأمة كلها بكل اتجاهاتها الفكرية والعقائدية، لأن الديمقراطية رغم تحفظنا الإسلامي علي بعض جوانبها إلا أنها يمكن أن تفرز حكما أقرب للرشد.
فهي تساعد على مكافحة الفساد المالي والإداري ومكافحة سوء الإدارة، وتطرد ذوى الكفاءة الاقل من مواقع القيادة ليحل محلهم الاكفأ، وهذا هو ما تحتاجه كل التيارات الإسلامية والوطنية، وهذا ليس فقط لإصلاح حال الاقتصاد والمجتمع والإدارة ولكن ايضا ليتوفر المناخ المناسب لكل تيار على حدة كي يراجع أفكاره، من أجل أن نصل إلى المستوى المناسب من التطور المطلوب.
كما أن نظام حكم بهذه الصفات سيتيح أجواء تساعد على المناقشة والنقد والحوار، ليس داخل كل تيار على حدة بل بين كل التيارات وبعضها البعض، مما يؤدى إلى مزيد من النضج والتجديد والتطور الذي سيصب في النهاية لمصلحة الأمة كلها بكل تياراتها.
وهذا الطرح لا يمثل خروجا عن الخط الإسلامي الملتزم بكون الإسلام ينظم شئون الدين والدنيا بل هو يمثل اجتهادا في إطار السياسة الشرعية.

وإذا راجعنا فروع السياسة الشرعية في مراجعها المعتمدة سنجد تأصيلا ضافيا لقواعد فقهية معتمدة تؤيد هذا الطرح، ولعلنا نفصلها في مناسبة أخرى بمراجعها إن شاء الله ليرجع إليها من شاء.
وبناء على ذلك كله فإننا نقترح ترتيب الأولويات لدى كل التيارات وفقا لهذه الرؤية والكف عن التنازع فيما بينها لأن الخطر الأول ـإن لم يكن الأوحدـ هو الاستبداد والديكتاتورية.
أما الليبراليون الذين يوجهون طاقاتهم لمهاجمة التيار الإسلامي بدعوى أنه سبب تخلف الأمة الإسلامية والأمة العربية، وأنه خطر عليها وكذا وكذا، فهذا خطأ فادح منهم، وحتى على مذهبهم لو سلمنا جدلا بهذه الاتهامات (ونحن لا نسلم بها أصلا ولنا ردود عليها)، فلابد أن يفهموا أنه في ظل حكم ديمقراطي حقيقي وحياة ديمقراطية سيمكنهم إدارة صراعهم العقائدي مع الحركة الإسلامية بشكل أنسب وأكثر نفعا لهم وللإسلاميين وللأمة كلها.
وهذا ينطبق على كل التيارات سواء الإسلامية أو الاشتراكية أو القومية.
لابد أن نعى جميعا أيا كانت مرجعياتنا العقائدية أو الفكرية أن إدارة صراعاتنا بشكل صحي لن يتم إلا في ظل عدالة وحريات حقيقية، وحفظ كامل لحقوق الإنسان، مع مراعاة أننا يمكننا أن ندخل عليها تعديلات لتوائم الواقع الحضاري والخصائص التاريخية لأمتنا، وقبل ذلك أحكام ديننا وعاداتنا وتقاليدنا الحسنة.
أما غير ذلك من الصراعات بين المعارضة وبعضها البعض فهي لا تؤدى إلا إلى إجهاض جهود النضال السياسي من أجل الإصلاح.
وأخيرا نشير إلى أن هذا الطرح لا يمنع استمرار الحوار والنقاش بين كل التيارات بما لا يقدح في الأولوية الأولى أو يؤثر عليها سلبا.
