مراجعات تنظيم الجهاد ومبادرة الجماعة الإسلامية وتوبة المعتقلين .. جوانب نفسية واجتماعية

السجون الجديدة

من مشاهد أيام الاعتقال (15)

في أغسطس 2002م أضرب معتقلو تنظيم الجهاد في سجن النطرون (1) وسجن الفيوم وطالبوا بمساواتهم بمعتقلي الجماعة الإسلامية في المعاملة و الزيارة، وبعد مناقشات وضغوط و تهديدات مارستها أجهزة الأمن تم تفكيك الإضراب وتم نقل 40 معتقلا من تنظيم الجهاد بسجن الفيوم إلى عنبر التجربة (عنبر مثل التأديب) في سجن ليمان أبى زعبل و هناك أنهوا إضرابهم فى التو.

و لم تمض سوى أيام قليلة حتى جرى تجميع كل معتقلي تنظيم الجهاد من جميع السجون وتم حشرهم جميعا في سجن شديد الحراسة بأبي زعبل، و أقول تم حشرهم لأن السجن لم يكن يتسع إلا لنحو 250 معتقلا بينما كان عدد معتقلي الجهاد الذين تم تجميعهم في هذا السجن في حدود 1000 معتقل حينئذ.

و كان عدد المعتقلين في كل زنزانة في حدود 30 علما أن مساحة الزنزانة هى 5 أمتار طولا في 4 أمتار عرضا.

و قيل لنا أن اللواء أحمد رفعت (وكيل أمن الدولة والمشهور بالاسم الحركي “الحاج مصطفى رفعت”) قال “العيال بتوع تنظيم الجهاد دول ليس عندهم أدب و لازم يتربوا… انقلوهم لأبى زعبل عشان يتربوا شوية”.

و مكثنا في هذه الحالة مدة شهر كامل، و بعدها علمنا أن ضابط أمن الدولة استدعى أحد الأخوة و قال له “خلاص يا شيخ فلان مشكلة تنظيم الجهاد اتفكت و خلال أيام سيوجد خير كبير قوى لمعتقلى تنظيم الجهاد” و بدأ الكثيرون يخمنون في ماهية هذا الخير المزعوم، لكن لم يتمكن أحد من توقع شئ محدد في هذا المجال.

و في يوم 5 أكتوبر 2002م شعرنا بأنه يجرى فتح الزنازين بانتظام من أول العنبر، و نشطت الاتصالات بين الزنازين وكان مضمون كل هذه الاتصالات أن الأخوة مسئولى تنظيم الجهاد المصري وكذلك مسئولي جماعة أحمد يوسف (بنى سويف) يبلغون أتباعهم أنه “ممنوع على أي أحد أن يوافق على العرض الذى سيجرى عرضه الآن من قبل الضباط” وفهمنا أن عددا من الضباط يمرون بالزنازين و يقدمون عرضا معينا.

وعندما جاء دور زنزانتنا فتحوا الباب ودخل أحد الضباط وقال: يا جماعة مبروك سيعملوا لكم مبادرة وندوات مثل الجماعة الإسلامية…. مين موافق كي نسجل اسمه؟؟

وسكت أغلب المعتقلين بينما تكلم ثلاثة أو أربعة بصوت عالي وبصورة جماعية في نفس واحد قائلين: “لا كلنا مش موافقين” بينما سجل أربعة أسماءهم قائلين نحن نوافق على وقف العنف بينما لا علاقة لنا بالجماعة الإسلامية و لا تنظيم الجهاد، و تم تسجيل أسماءهم فعلا، و اعتبر الضابط أن كل من لم يسجل اسمه موافق على العمليات المسلحة التي كانت تقوم بها مجموعات إسلامية.

في نفس اليوم جرى تفريغ عنبر رقم (1) من المعتقلين تماما وتم توزيع المعتقلين على عنبري (2) و (3) فقط. 

وبعد ذلك بيوم واحد و تحديدا في صباح يوم 7 أكتوبر 2002م تم تجميع جميع من سجلوا أسماءهم بشأن رفض العنف و تم نقلهم إلى عنبر رقم (1) و لم يتجاوز عددهم 117 معتقلا حينئذ، و علمت بعد ذلك تفصيلات عديدة بشأن ما جرى أثناء تسجيل الأسماء يوم 5 أكتوبر.

فمجموعه من المعتقلين قالوا لأمن الدولة: “نحن لا نعلم معنى الجماعة الإسلامية و لا جماعة الجهاد ولا أي جماعة فماذا نقول و ماذا نفعل؟؟

“فقال لهم: “هاتوا أسماءكم” و سجل أسماءهم ضمن الرافضين للعنف.

تنظيم الجهاد

كما علمت أن هناك زنازين خرج منها عدد أكثر نسبيا من زنازين أخرى بسبب أن الذي مر على بعض الزنازين وعرض الأمر عليهم هو ضابط أمن الدولة، ولم يكن يعرض على المعتقلين الالتحاق بمبادرة الجماعة الإسلامية، بل كل ما عرضه عليهم هو سؤال واحد: “من يسجل اسمه بصفته لا يؤيد العنف أو العمليات المسلحة ضد الحكومة؟؟”.

بينما الزنازين الأخرى التى مر عليها ضابط العنبر الذي زف للمعتقلين البشرى بالسير على خطى الجماعة الإسلامية كانت الأقل في عدد الخارجين منها، و ذلك كله أمر نسبي، لأن عدد الذين سجلوا أسماءهم (وأنا منهم) لم يزد عن 117 معتقلا من مجموع معتقلين بلغ نحو 1000 معتقل.

فما السر في قلة من سجلوا أسماءهم؟؟

طبعا فكرت في هذا الأمر وتكلمت فيه مع عدد من المعتقلين الذين كانوا معنا فوجدنا أن التجارب السابقة التي رآها المعتقلون جعلت المعتقلين يقلقون من أي محاولة تقوم بها أمن الدولة أيا كان اتجاهها بسبب رؤيتهم لتجربتين:

الأولى- تجربة ما عرف إعلاميا باسم “التوبة” و أطلق على المعتقلين الذين انضموا لهذه العملية “التائبين” و هذه التجربة مملوءة بأحداث كثيرة ذات دلالة منها أن الأمن في هذه العملية كثيرا ما كان يستدرج التائبين لما لا يرغبون فيه، فمثلا عندما بدءوا في تنظيم وإدارة ندوات تليفزيونية للتائبين بسجن المزرعة فوجئ كثير من التائبين بها ولم يكونوا يقبلون بها أصلا لو أنهم عرضت عليهم الفكرة من البداية.

READ  حوار مع عبود الزمر .. أنا غير نادم على اغتيال السادات

صحيح أن بعضهم كان على علم بها من البداية وكان موافقا عليها لكن البعض الأخر كان غير موافق عليها، و لم يدر بها إلا وقت تسجيلها، و هؤلاء الرافضون رفضوا الحضور و لم تكرههم أجهزة الأمن على الحضور، لكن هؤلاء المعتقلين شعروا أنهم خدعوا لأنهم شاركوا في عملية انتهت لما لم يكونوا يتوقعونه ولا يريدونه.

كما حدثت في بعض حالات التوبة عمليات تخويف من عملاء الأمن لبعض التائبين لإجبارهم على سلوك مسالك معينة تبعدهم عن التدين والالتزام السلوكي، كأن يقولوا له: إيه حكايتك يا فلان أنت من القلائل الذين مازالوا يقرأون القرآن كثيرا و ده ممكن يضرك عند أمن الدولة.

و طبعا كان ذلك له تأثير على بعض الناس من ضعاف النفوس.

تعذيب المواطنين

و حصل مثل هذا أمامي في عنبر (1) في سجن أبى زعبل الجديد حيث كان يقيم الذين سجلوا أسماءهم باعتبارهم رافضين للعمليات المسلحة، و كان العنبر كله محافظ على التزامه الديني في المجال السلوكي، فلم يكونوا يفترقون في شكلهم وسلوكياتهم و اعتقاداتهم الدينية عن غيرهم من المعتقلين في العنابر الأخرى سوى أنهم لم يكونوا يؤيدون العمليات المسلحة وأعلنوا ذلك.

و في عام 2004م تم نقل ثمانية مسجونين من الذين سبق ووقعوا إقرارات التوبة في التسعينات من سجن مزرعة طرة إلى عنبر (1) في سجن أبي زعبل الجديد، كما جرى في نفس الوقت نقل عشرة معتقلين ممن وقعوا نفس الإقرار في التسعينات من سجن العقرب بطرة إلى عنبر (1) أيضا.

و قد حرص ضابط أمن الدولة على تفريغ زنازين خاصة لهم و اشترط أن تكون هذه الزنازين متجاورة و قالوا يجب أن يكونوا لوحدهم لأنهم لهم طباع خاصة بهم، ثم بعد ذلك إذا رغبتم في التعايش معهم باختياركم فأنتم أحرار.

و لم نفهم أبعاد ذلك الكلام قبل أن يأتوا لأننا لم نكن نعلم من سيأتي، لكن عندما أتوا ورأينا حالهم فهمنا أن أمن الدولة كانت ترمي لأهداف معينة منها أن لا تحدث مشاكل بيننا و بينهم، و منها أنهم لا يريدون أن نظن أن أمن الدولة تريد أن ترغمنا على إتباع سلوكيات معينة على خلاف رغبتنا لحساسية ذلك، وهذه النقطة بالذات لها قصة سنحكيها بعد قليل.

ولما جاء هؤلاء المعتقلون والمسجونون من التائبين و سكنوا في الزنازين التي تم تفريغها لهم بعنبرنا فهمنا الموقف، لقد كان أغلبهم لا يمتون بأي صلة للالتزام الديني الذي نلتزم به ليس في السلوكيات فقط بل أيضا في العقائد، حتى بالنسبة للصلاة المفروضة فقد كان قلة منهم يجلسون مع المسجونين الجنائيين أو مع شاويش العنبر وقت الصلاة يتكلمون ولا يأتون للصلاة جماعة معنا في المصلى الذي كنا أنشأناه في فناء العنب.

صحيح أن المسلم خارج السجن ربما تفوته صلاة الجماعة الأولى في المسجد بسبب مشاغل الحياة وضغوطها لكنه لاشك لا يمكن أن تفوته الصلاة في وقتها، أما في السجن فالمسلم جالس لا شغل له و(لا مشغلة) فكيف تفوته صلاة الجماعة الأولى؟؟

وكيف يجاهر بذلك فهو جالس أمام باب فناء العنبر الذي به المصلى و كل الذاهبين للمصلى يمرون عليه و يرونه وهو جالس يلغو مع الشاويش وهو لا يستحي من أن الجميع يصلون إلا هو و معه قلة مثله، ناهيك عن تدخين السجائر وغير ذلك.

و لم يكتف هؤلاء بذلك بل بدأ بعضهم في ممارسة نوع من الإرهاب الفكري علينا لكن بشكل فردي، مثل أن يقول أحدهم لواحد منا: “إيه يا عم أنت قاعد في زنزانة متشددة قوى، و لا واحد من زنزانتكم يأتي و يتفرج على الأفلام عندنا”.

فيرد عليه صاحبنا ويقول: “لا متشددين ولا حاجة أنت فاهم غلط احنا ناس غلابة و عايزين نروح”.

فيقول له: “طيب ما أنتم بالطريقة هذه سيفهم الأمن أنكم متشددون و أنت عارف أن كل ما يحدث في العنبر يتم نقله بدقة لأمن الدولة”. 

فيعود صاحبنا للدفاع عن نفسه: “يا عم قلت لك نحن مش متشددين و لا حاجة، أنت فاهم غلط”.

فيستمر الأخر في هجومه: “طب لو أنت مش متشدد كما تقول لماذا لا تأتي و تتفرج على التليفزيون معنا وسأريك أشياء جميلة…أنت كمان ممكن تأتي تبيت معنا عشان تسهر تتفرج براحتك”.

و يستمر في إلحاحه حتى يوافق صاحبنا و يذهب يبيت معه خوفا من أن يكتب تقريرا عنه للأمن يقول فيه عنه متشدد.

READ  الإخوان المسلمون واللعبة السياسية في مصر الآن

و هكذا يتكرر مثل هذا الحوار بهذا الشأن و بشأن أشياء أخرى عديدة مثل اللحية و مثل بعض الأفكار السياسية و العقائدية.

التفكير الإسلامي

و في الواقع أنني أحترم جدا أي تحولات فكرية فقهية من باب احترام حرية الرأي والاعتقاد التي كفلها الإسلام، لكنني لا يمكنني احترام شخص يتحول لأفكار باطلة بسبب رغبته في تحصيل منافع شخصية معينة و ليس عن اقتناع فكري، علما أنه كان هو نفسه ينتقدها و يسوق الحجج على بطلانها قبل أن يتبنى هذا الموقف النفعي والانتهازي.

و هذا كان حال بعض هؤلاء التائبين خاصة من المجموعة التي كانت في سجن مزرعة طرة، حتى أن عددا من الأخوة عزف عن النقاش معهم باعتبارهم لا فائدة من الحوار معهم، لأنهم ليس لديهم أفكار محددة خاصة بهم بل هم يرددون أفكارا معينة كي يقال عنهم أنهم غير متشددين رغم أنهم ليس لديهم فكر حقيقي يقتنعون به.

و أذكر الآن أن أحد الأخوة كنت واقف معه و جاء واحد من هؤلاء التائبين الذين نتكلم عنهم ووقف معنا وأثار النقاش في موضوع ما فتعجبت وقلت للأخ الواقف شفت فلان ماذا يقول و ضحكت فقال لى الأخ: (سيبك منه ده أصلا مخه تعبان و ما فيش فايدة فيه).

و هكذا كان قدوم هؤلاء للقعود معنا أمرا أثار كثيرا من النقاش في العديد من القضايا، كما انه أنعش اتجاها كان موجودا في العنبر أشرنا إليه لماما في العديد من المناسبات وهو اتجاه مشابه لاتجاه هؤلاء الذين قدموا علينا من سجن المزرعة لكننا استطعنا دائما أن نطوق أثاره السيئة.

و من هذا أن عددا من المعتقلين وعلى رأسهم أبو سمية (و كان هو الذي يتولى مساعدة الشاويش في الشئون الإدارية بالعنبر)، مروا على عدد كبير من المعتقلين بعنبر (1) وكلموا كل منهم على انفراد، وقالوا له هل ترغب في تسجيل اسمك في كشف سيضم أسماء الموافقين على دخول التليفزيونات للعنبر أم لا؟؟

و كان الذي يوافق يسجلون اسمه والذي لا يوافق يقولون له احذر من الرفض فالذي سيرفض سيتم تسجيله في أمن الدولة على أنه متشدد و هذا سيؤثر سلبا على خروجه من السجن، و كان كثيرون يخافون من هذا الكلام فيسجلوا أسماءهم.

لكن هؤلاء الخائفين بعد أن سجلوا أسماءهم ذهبوا للشيخ جاد القصاص و حكوا له القصة، و هذا هو الذي جعلنا نطلع على هذه العملية لأنهم كانوا يعملونها في السر ولا يفاتحون في الأمر إلا الأشخاص الذين يظنون أنهم لن يبلغونا، أو الذين يعرفون أنهم يخافون، وبالتالي فالخوف سيمنعهم من إبلاغنا بالأمر.

و بعد ما علمنا بالموقف تصادف أن كان أمين شرطة من أمن الدولة واقفا على باب العنبر يتكلم مع عدد من المعتقلين فقال له الشيخ جاد القصاص: كيف تكون مشاهدة التليفزيون مقياسا للتشدد أو الاعتدال؟؟.

فرد عليه أمين الشرطة: كيف؟؟

قال الشيخ جاد: ألم تطلبوا كشفا بأسماء الموافقين على التليفزيون؟؟

فقال أمين الشرطة: نعم، و لكن ذلك لحصر عدد الذين يريدون تليفزيونات كي نقدر العدد المطلوب من الأجهزة كي نصرح بنفس العدد المطلوب، و لا علاقة لذلك بتشدد أو اعتدال.

فبادره الشيخ جاد قائلا: لكن الذي قيل لنا غير ذلك، فالذي وصلنا أنكم تصنفون درجة تشدد الناس بحسب موقفهم من جهاز التليفزيون.

فنفى أمين الشرطة قائلا: لا..لا..أبدا الذي قال ذلك فهم غلط  ونحن لم نقل ذلك أبدا كل واحد حر.

فقال له الشيخ جاد القصاص: إذن اعتبر الكشف الذي جاءك لاغيا لأنه كتب تحت التخويف واطلب كشفا غيره وفقا لهذا الفهم.

فرد أمين الشرطة: نعم سنفعل، ثم التفت لأبى سمية و قال له نفذ هذا الكلام.

و هكذا أشارت الخبرات المستخلصة من التطورات التى مرت بها عملية التوبة والتائبين إلى أن عملية سياسية في السجن هي عملية مجهولة العواقب ما دامت في السجن و ما دام للأجهزة الأمنية علاقة بها، و يؤيد ذلك النقطة التالية:

التجربة الثانية- هي تجربة الجماعة الإسلامية فيما سمي بمبادرة وقف العنف، فهذه التجربة أصابت كثيرا من المعتقلين بعقدة من اتخاذ أي مواقف سياسية في السجن لأن مبادرة الجماعة الإسلامية في مرحلتها الأولى من مبادرتها لم يكن عليها ملاحظات ذات بال، و حتى الآن يمكن لأي مراقب أن يلاحظ هذا عندما يقارن بين الطبعة الأولى من الكتب الأربعة الأولى التي أسست فكريا لمبادرة الجماعة الإسلامية و بين الكتب التالية لها.

الثورات العربية

و هي كلها مثلت البناء الفكري للمبادرة، و بهذه المقارنة سيدرك أن الكتب الأربعة الأولى ما هى إلا تجميع لنقول من كتب علماء الإخوان المسلمين و قادتهم الفكريين كالقرضاوي و غيره.

READ  التحديات السياسية بعد الثورة المصرية

أما الكتب التالية فقد قطعت خطوات بعيدة في مجاملة الحكام… كل حكام العالم الإسلامي المعاصرين بشكل أو بآخر، و هذا كله جعل المعتقلين يتوجسون خيفة من عواقب أي مراجعات فكرية أو فقهية في السجن حتى و إن بدأت رصينة و محترمة.

و أنا شخصيا كنت ضمن الآلاف الذين أثارهم تصريح أحد مشايخ الجماعة الذي قال فيه أن الحاكم المسلم لا يجب عليه تطبيق الشريعة بل هو مخير في أن يطبقها أو لا يطبقها كما يشاء.

و قد احتددت على أحد ضباط أمن الدولة في إحدى المناسبات و قلت له: إيه الذي يقولونه هذا هل هم ملكيون أكثر من الملك؟؟ إن رئيس الجمهورية نفسه لا يقول هذا الكلام فهو لا يقول: “أنا لا يجب علي تطبيق الشريعة” بل يقول: “نحن نطبق منها ما نستطيع و الباقي نحن مضطرون لعدم تطبيقه الآن بسبب ضغوط دولية وغيرها و عندما نتمكن من تطبيق الشريعة كاملة سنطبقها”.

فكيف يذهبون هم إلى هذا المدى البعيد من المجاملة؟؟

و الحاصل أن تجربة الجماعة الإسلامية عملت عقدة عند كثير من المعتقلين الإسلاميين.

ونحن تكلمنا في الحلقة السابقة عن التحولات النفسية التى مر بها المعتقلون من أعضاء الجماعة الإسلامية، باعتبار أن هذا التحول هو مدخل جيد للكلام في هذه الحلقة عن طبيعة موقف المعتقلين بكل اتجاهاتهم الفكرية من مبادرة الجماعة الإسلامية، ومن قضية العمل المسلح في العمل الإسلامي. 

علما أنه كان هناك دائما فرق بين الطبيعة النفسية لأعضاء الجماعة الإسلامية و بين أعضاء سائر الحركات الإسلامية، لأن سائر الحركات تهتم بأن تربى العضو على أخلاق وسمات شخصية معينة فقط.

لكن الجماعة الإسلامية زادت على ذلك أنها حرصت على أن يكون في الشخص الذى يرشحونه لعضوية الجماعة الإسلامية صفات خاصة، وأهمها ألا يكون ممن يحب المناقشة أو إثارة الأسئلة، وألا يكون ممن يحبون أن يكون لهم رأى ما في القضايا المختلفة، كما ينبغى عندهم ألا يكون هذا المرشح للعضوية ممن يحبون الإطلاع على الأراء والأفكار الأخرى المخالفة لأراء الجماعة الإسلامية.

كما ينبغى أن يكون هذا المرشح للعضوية ممن يتصفون بالطاعة وحسن الانقياد فلا يكون لديهم أى ميول للتفكير في صحة أو خطأ ما يردهم من أوامر أو آراء من قبل قادتهم.

و بعد التأكد من توفر كل هذه الصفات في الشخص يتم ضمه للجماعة الإسلامية ثم يتم تربيته على صفات عديدة أخرى أهمها الطاعة العمياء والتوقير التام لقادة الجماعة دون أى تفكير أو نقاش.

و من هذا المنطلق يمكن فهم سبب تأخر فهم أعضاء الجماعة الإسلامية لأخطاء قادتهم بدءا من خوضهم عمليات واسعة من العنف العبثى.

المصالح والمفاسد

 و من هذا المنطلق أيضا يمكن فهم موقف سائر أعضاء الحركات الإسلامية الذين كانوا معتقلين في نفس السجون مع أعضاء وقادة الجماعة الإسلامية، ومن ثم كانوا يشاهدون كل هذه الأحداث لكن بعقل مفتوح بعكس أعضاء الجماعة الإسلامية الذين كانوا يشاهدون نفس الأحداث لكن بعيون مشايخهم، ومشايخهم هم قادة الجماعة المعروفين باسم مجلس شورى الجماعة الإسلامية.

لقد فهم كل المعتقلين الإسلاميين (من غير أعضاء الجماعة الإسلامية) حدث مراجعات الجماعة الإسلامية و مبادرة الجماعة الإسلامية على حقيقتهما منذ البداية، بعكس أعضاء الجماعة الإسلامية الذين لم يدركوا حقيقتهما إلا بعد نحو خمس سنوات من إتمام هذه المراجعات.

لكن ما هو أثر هذا الفهم على المعتقلين الإسلاميين من غير أعضاء الجماعة الإسلامية؟؟

كان الأثر المباشر و السريع هو العقدة التي تكونت لديهم ضد أي مراجعات فكرية أو فقهية مهما كانت بدايتها جيدة.

إذن فالأثر المباشر هو الجمود الفقهي و الفكري بدعوى التحصن ضد السقوط في هاوية الانحراف الفكري و الفقهي.

و هذا لا يعني تأييد العمل المسلح، فالكثيرون من المعتقلين يرفضون العمل المسلح ومع ذلك يرفضون مبادرة الجماعة الإسلامية و يرفضون عملية التوبة، و هذا كله يمكن فهمه في ضوء كل ما ذكرناه في هذه الحلقة و في الحلقة السابقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت هذا الموضوع في جريدة ” الدستور” المصرية وكان هو الحلقة 15 من 16 حلقة نشرت تباعا بشكل أسبوعي حينئذ، وشرحت فيها مشاهداتي لجانب من أوضاع المعتقلين السياسيين في سجون حسني مبارك طوال فترة اعتقالي التي استمرت من 21 فبراير 1993م وحتى 1 أغسطس 2007م.

 

About The Author

ملفات جيفري إبستين

ملفات جيفري إبستين .. هل يضلل النقاش العربي الرأي العام؟

تشارلي كيرك

3 فروق بين العربي والأوروبي والأمريكي يكشفها اغتيال تشارلي كيرك

أحمد الشرع رئيس سوريا

لماذا أصبح أحمد الشرع عميلا لأمريكا ؟.. 200 عام من تجنيد أوروبا للعملاء

ربما فاتك

ملفات جيفري إبستين

ملفات جيفري إبستين .. هل يضلل النقاش العربي الرأي العام؟

حرب إيران وأميركا

حرب إيران تقترب .. ورطة ترامب وحسابات إسرائيل وحدود الدعم الروسي-الصيني

مجلس الأمن

غزة ودور المسلمين بعد قرار مجلس الأمن

ترامب

خطة ترامب حول غزة .. الثقة بالشرف البريطاني كلفت مصر احتلالا لـ 74 عاما

تشارلي كيرك

3 فروق بين العربي والأوروبي والأمريكي يكشفها اغتيال تشارلي كيرك

Share via
Copy link