المعتقل و المسجون الجنائي تعامله إدارات السجون معاملة أسوء من معاملة الحيوانات

المعتقل والمسجون الجنائي في السجون المصرية .. من مشاهد أيام الاعتقال (16)
لا يمكن أن يكتمل تصويرنا لمشاهد أيام الاعتقال ما لم نتكلم عن المسجون الجنائي فخصصنا هذه الحلقة من سلسلة المقالات هذه للكتابة عن المسجونين الجنائيين وأحوالهم وعلاقتهم بالمعتقلين السياسيين، لأن المسجونين الجنائيين جزء لا يتجزأ من حياة السجون.
وينقسم نزلاء السجون إلى:
أولا- سياسيون سواء كانوا معتقلين بموجب قانون الطوارئ أو محكوم عليهم بموجب أحكام قضائية
عادة ما تكون من محاكم عسكرية أو محاكم أمن دولة عليا طوارئ، و هؤلاء الذين تركزت عليهم سلسلة المقالات “من مشاهد أيام الاعتقال”.
ثانيا- جنائيون و هؤلاء إما معتقلون جنائيا بموجب قانون الطوارئ و هم قلة أو محبوسون على ذمة التحقيق و المحاكمة في قضايا جنائية
بكل أنواعها كالمخدرات وجرائم الآداب والسرقة والقتل وغيرها أو محكومون بأحكام في مثل هذه القضايا والمحكومون بأحكام جنائية هم أكثر الجنائيين وهم منتشرون في سائر سجون مصر فالسجون مكدسة بهم.
أما المحبوسون على ذمة التحقيق في قضايا جنائية فهم محصورون في سجون قليلة مثل سجن القاهرة وهو مشهور باسم سجن المحكوم و هو موجود بجانب سجن ليمان طره، أو سجن الاستئناف وهو بجانب مديرية أمن القاهرة، هذا بجانب عدد قليل في كل سجن من سجون المحافظات كسجن بني سويف و سجن المنيا و أسيوط و الحضرة و طنطا و نحوها.
و هناك نوع أخر من المسجونين تصنيفهم القانوني سياسي بينما هم يعاملون عمليا في السجن على أنهم جنائيون و هم في حقيقتهم بعيدون عن السياسة بسبب خلفيتهم الفكرية و الاجتماعية التي ليس لها أي علاقة بالسياسة، هؤلاء هم المحكوم عليهم بأحكام سجن بسبب هروبهم من الخدمة العسكرية، و هؤلاء مواطنون عاديون و هربوا من الخدمة العسكرية بلا أي دوافع سياسية لكنهم مصنفون في لوائح السجون على إنهم سياسيون.
كيف يعيش المسجونون والمعتقلون الجنائيون؟
لكن كيف يعيش المسجونون و المعتقلون الجنائيون؟ في الواقع فإن الجنائيين هؤلاء لا يجدون أي تعاطف من إدارة السجن، و ليس هذا فقط بل إنهم لا يجدون أي عدالة في التعامل معهم ليس فقط بسبب الاشمئزاز النفسي منهم باعتبارهم مجرمين و لكن أيضا بسبب طبيعة الفكر العقابي الظالم والمتخلف السائد لدى أجهزة الأمن و لدى حتى العاملين المدنيين بالسجون.
فهؤلاء جميعا تقول أفعالهم أنهم لا يقتنعون بأن العقوبة التي توقعها المحكمة على المجرم كافية بل هم يظنون أنه ينبغي أن تكون حياة المسجون سوداء مع أن القانون لم يتضمن عقوبة سوى السجن…

القانون لم يتضمن تعذيب ولا سباب ولا سوء معاملة ولا سوء معيشة، ومع ذلك فكل هذا موجود بشأن الجنائيين بجميع السجون المصرية بدرجات كبيرة لكنها متفاوتة، و هذا السوء الذي يعيشه المسجون الجنائي تمارسه عليه إدارة السجن عن اقتناع كامل بأنه لا يستحق غير ذلك.
فالقاعدة في تعامل إدارة السجن معهم هي القسوة بكل أشكالها المادية و المعنوية فالضرب و التعذيب هو وسيلة التفاهم الوحيدة التي تتعامل بها إدارة السجن مع الجنائيين ما لم يكونوا مسنودين بواسطة أو مال.
و في مرة كنت ماشي مع أحد الأخوة في السجن و شاهدت طابورا من الجنائين المرتدين السراويل القصيرة الداخلية (شُرط) فقط، و كانوا يمشون في اتجاه عنبر التأديب بالسجن فقلت له ما هذا؟؟
قال لي: إنهم ذاهبون للتأديب، و الذي يدخل التأديب لابد أن يدخل هكذا بالشُرط، فضلا عن الضرب و الإهانة التي يتعرض لها بالداخل.
المسجون الجنائي يعيش حياة أشبه بالجحيم
ففضلا عن التعذيب و سوء المعاملة فإن السجون مزدحمة بسبب تضخم أعداد المسجونين لدرجة أن أي مسجون جنائي لا يجد مكانا ليقعد و ينام به في الزنزانة إلا بمقياس 165 سنتيمتر طولا و بمقدار 27 سنتيمتر عرضا، و هذا العرض هو عرف راسخ في جميع السجون و يتم قياسه بشبر وقبضة.
و الشبر معروف أما القبضة فهي المساحة التي تشغلها قبضة اليد عند قبضها على أن تكون منتصبة لأعلى، يعني ينام الواحد منهم على جنبه محشورا بين زملائه و يكونوا جميعا متلاصقين تماما.
كما أن الطعام المقرر لهم من إدارة السجون لا يصل إليهم في العادة أو يصل إليهم ربعه فقط، ففي أكثر السجون يحدد ضابط السجن بعض عملائه ليتولى كل منهم الرياسة على زنزانة من زنازين العنبر بينما يكون هناك واحد متوليا لرئاسة العنبر كله، و هؤلاء الرؤساء هم الذين يتولون استلام مقررات الطعام ويوزعون منها الفتات بينما يحتفظون بمعظم الكمية لأنفسهم.
فيأكلون منها ما يأكلون ثم يبيعون الباقي لمن يمتلك الثمن من المسجونين، أما الذين لا يمتلكون الثمن فإنهم يتضوعون جوعا ما لم يتداركهم أهلوهم بطعام في الزيارات، أو يعملون كخدم عند زملائهم من المسجونين ذوي المال فينالون شيئا من المال أو الطعام.
و هذا النمط من توزيع الطعام هو الغالب في سائر السجون الجنائية، لكنني قابلت أثناء انتقالي للجنة الامتحان اثنين من المسجونين الجنائيين فحكيا لي أنماطا أخرى في سجن (….) و سجن (…..).
فالأول حكى لي أنه يتم منع توزيع أي مقررات من الطعام الذي حددته لوائح السجون وعلى المسجون أن يدبر طعامه بنفسه وعلى حسابه الخاص وغير مسموح له بالحصول على أي طعام من أهله في الزيارة بل غير مسموح له حتى بتناول طعام مع أهله أثناء الزيارة، لكن من أين يحصل على الطعام؟؟

الطريق الوحيد المسموح له بالحصول على الطعام منه هو الشراء من كافيتريا السجن و هي كافتيريا تديرها إدارة السجن و تعود أرباحها عليها.
إذن فأين حصص الطعام المنصرفة للمسجونين حسب اللوائح و هي كميات كبيرة تقدر قيمتها بمال كثير؟؟
الإجابة: الله أعلم.
أما المسجون الثاني فحكى لي أن في سجنه لا يتم توزيع مقررات الطعام أيضا كما أنه غير مسموح بدخول الطعام في الزيارة أيضا، لكنه مسموح لهم بتناول الطعام مع أسرهم أثناء الزيارة دون الاحتفاظ بأي شئ منه بعد انتهاء الزيارة، و عليهم أيضا شراء الطعام من كافيتريا السجن.
و في نفس الوقت لا يجد الجنائيون أي مساندة قانونية من منظمات حقوق الإنسان، و لا حتى من أسرهم لأن منظمات حقوق الإنسان المحلية الصادقة في عملها قليلة وإمكاناتها المحدودة مستنزفة في الدفاع عن السياسيين، أما أسر الجنائيين فأكثرهم فقراء لا يملكون القدرة على توكيل محامي كبير للسعي من أجل تحسين حياة ابنهم في السجن، كما أنهم ليس لديهم الوعي القانوني الكافي ليتولوا هم هذه المسألة بأنفسهم بدون محامي.
توفر المخدرات بكثرة
و رغم كل الحصار المفروض على الطعام و على أشياء كثيرة فالمخدرات متوفرة بكل أنواعها بكثرة بالنسبة لكل من يوصف بالمسجون الجنائي حيث يجري تهريبها للسجن بطرق مختلفة وبعدها تباع في السجن بأثمان مضاعفة.
قابلت مرة شاب في العشرينات من عمره وهو طالب في ليسانس حقوق وكان محكوما عليه للتو في قضية مخدرات فقلت له هل كنت تتاجر في المخدرات فعلا؟؟
قال لي: نعم.
قلت له: لماذا؟؟
قال لي: أدمنتها أولا، ثم بعد ذلك دخلت مجال تجارتها كي أحصل على ثمن المخدرات التي أتعاطاها.
قلت له: و الآن في السجن هل مازلت تتعاطاها؟؟
قال لي: نعم، فأنا مدمن و لا أستطيع أن أمتنع عنها.
قلت: وهل تحصل عليها في السجن بانتظام؟؟
قال لي: نعم بانتظام فأنا لا يمكنني الاستغناء عنها.
و كان عدد من الأخوة المعتقلين السياسيين قد تم حبسهم لسبب ما في سجن المحكوم لمدة أسبوع وحكوا لي أنهم شاهدوا المسجونين الجنائيين يتناولون المخدرات نهارا جهارا في مسجد السجن.
و في الواقع إن المدمنين من المسجونين يبيعون أي شئ يمتلكونه من أجل شراء المخدرات فبعضهم يبيع طعامه وبعضهم يبيع دواءه و بعضهم يبيع ملابسه بل بعضهم يبيع نفسه…كل ذلك من أجل المخدرات.

و السجون ليست معقلا للمخدرات فقط بل هي معقل لتعليم الجريمة كالسرقة بكل أنواعها و النصب و التزوير و غير ذلك.
فقد كان أحد أصدقائي من المعتقلين الإسلاميين مهتما بدعوة المسجونين الجنائيين للالتزام بتعاليم الإسلام لاسيما الشباب منهم، و قد استلزم هذا أن يتكلم معهم في تفاصيل شئونهم الشخصية، و قد أطلعه ذلك على كثير من تفاصيل معيشة الجنائيين في عنابرهم، و كان يحكي لي كثيرا من هذا.
و مما حكاه لي أن شابا صغير السن كان محكوما عليه بالسجن بسبب سرقة السيارات وكان قبل دخول السجن لا يعلم غير أسلوبين لسرقة السيارات، لكنه عندما عاش في السجن فترة تعلم نحو عشرة أساليب أخرى لسرقة السيارات من زملائه الحرامية.
و هناك معتقل سياسي أخر عاش عدة أسابيع في سجن خاص بالجنائيين قبل أن يكتشف الأمن أنه سياسي وقد حكى لي هذا المعتقل أنه لاحظ على شاب في الزنزانة حركات مريبة كما وجده يعتاد ارتداء (ترنج حريمي) و عندما سأل بعض أصدقائه بالزنزانة قالوا له ألا تعرف الحكاية؟؟
قال: لا، ما الحكاية؟؟
فحكوا له أن من اللوائح القانونية المعمول بها في السجن تحتم وضع المتهمين في شبكات دعارة في زنازين منعزلة عن بقية القضايا الأخرى، لكن بعض المساجين كان يمكنهم دفع مبلغا من المال إلى (….) فيسمح للذي دفع باصطحاب واحدا من أعضاء هذه الشبكات المتخصصة في ممارسة الشذوذ الجنسي معه في زنزانته و يبيت معه عدة أيام أو يقيم معه بشكل دائم.
و نظرا لأن الذي يصطحب هذا الشخص المريب هذا هو رئيس الزنزانة (يسمى النبطشي) المعين من الضابط وله نفوذ كبير على كل الزنزانة فإنه يمتلك مكانا للنوم والإقامة في هذه الزنزانة يعادل ما يملكه عشرة من نزلاء الزنزانة مجتمعين وهو قد نصب على هذا المكان الخاص به ستائر صنعها من ملاءات السرير مما جعل هذا المكان محجوبا عن الأعين و كان هذا الشخص المريب الذي يرتدي ترنج حريمي مقيما معه خلف هذه الستائر.
علاقة الجنائيين بالسياسيين
وكثير من المسجونين الجنائيين هم من الفقراء وبالتالي فهم يعانون من آلام السجن التي ذكرناها بشكل مضاعف، و لذلك فإن المعتقلين الإسلاميين دائما ما يشفقون عليهم ويحاولون التخفيف عنهم كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
و المعتقلون الإسلاميون يفعلون ذلك ابتداء من منطلقين الأول و الأغلب هو التصدق لوجه الله باعتبارهم فقراء يستحقون الصدقة، و المنطلق الثاني و هذا ينطلق منه البعض و ليس الجميع فهو محاولة كسب هؤلاء الجنائيين إلى صف الملتزمين بتعاليم الإسلام و أخلاقه.
كما كانت هناك مصالح متبادلة معهم تتمثل في أن ظروف الجنائيين تكون في معظم الأحيان أحسن حالا من السياسيين وحينئذ يحصل السياسيون من الجنائيين على بعض الممنوعات كالصحف وأجهزة الراديو و الشاي ونحو ذلك وعادة ما يكون ذلك مقابل قدر كبير نسبيا من المال لكن بعض الجنائيين كانوا يخاطرون ليس بغرض الحصول على المال وإنما بغرض مساعدة و مجاملة المعتقلين السياسيين تعاطفا معهم.
و كانت إدارات السجون تضع قيودا واسعة على علاقة الجنائيين بالسياسيين لمنع ذلك كله لكننا لم نعدم الحيلة في هذا المجال، بل تمكنا في حالات كثيرة من إقامة تعاون قوي جدا بيننا وبين الجنائيين الذين يعملون مرشدين لكبار الضباط.
و مع قضائنا لفترات طويلة في السجن اكتسبنا خبرات واسعة في فهم طبيعة الجنائيين وسلوكياتهم وهذا جعلنا أكثر حذرا في التعامل معهم، إما حذرا من عملهم كمرشدين علينا لصالح إدارة السجن، و إما لأننا لاحظنا أن بعضهم يحاولون خداعنا فمثلا يأتي واحد منهم يقول يا شيخ عندي برد أو عندي صداع عايز أقراص دواء.

و عندما يأخذ الأقراص يصطحبها لزنزانته ويقوم بطحن هذه الأقراص ويشمها كنوع من الإدمان، وكذلك لهم ألاعيب مثل هذه مع أدوية الكحة والحساسية والأمراض النفسية ونحوها، و الذي حدث بعد ذلك أن امتنع كثير من السياسيين عن إعطاء الجنائيين أي دواء لأنهم لهم ألاعيب كثيرة في تحويل الأدوية إلى أنواع من المخدرات.
بينما أصر باقي السياسيين عندما يعطون دواء ما لأي جنائي أن يتجرعه أمامهم ليضمنوا أنه لن يحوله للون من ألوان المخدرات.
و ظل ضباط السجون ينظرون نظرة احترام للمعتقلين السياسيين حتى إن أساءوا معاملتهم أو عذبوهم، و ينظرون نظرة ازدراء للجنائيين وإن سمحوا لهم بما يمنعونه عن السياسيين، و لكن ذلك كله كان إلى حين.
فكر التعذيب عند محمد عوض
ففي عام 1988م أو 1989م تقريبا تولى المقدم ( محمد عوض ) منصب مأمور سجن استقبال طره و كان هذا الضابط قد تمت معاقبته بتأخير الترقية عنه بسبب تورطه في قتل مسجون جنائي أثناء التعذيب في سجن ليمان طره.
و كان المقدم ( محمد عوض ) يؤمن بفكرة أنه يتحتم إساءة معاملة المعتقلين السياسيين طوال فترة اعتقالهم وكذلك تعذيبهم كلما سنحت الفرصة، و كان من أساليبه لتنفيذ هذا التصور أن يستخدم الجنائيين لمضايقة السياسيين وكذلك لضربهم إن أمكن.
و نظرا لأن الظروف السياسية وقتها لم تسمح باستخدام قوة من الجنود في تعذيب المعتقلين السياسيين فإن محمد عوض كان يصطحب في غدواته و روحاته داخل السجن مجموعة من الجنائيين حاملي العصي، وقد قلده في ذلك تلميذه النجيب النقيب (عز) قائد عنبر (أ) حينذاك.
و على كل حال فلم يكن الجنائيون المصاحبون لهذا الضابط يجرؤن على تعذيب أحد السياسيين لكنه كان يمارس التعذيب بنفسه بينما يشعر بالأمان بحماية هذا الفريق من الجنائيين له.
لقد مثلت ممارسات المقدم محمد عوض الأساس و القدوة التي احتذى بها من جاء بعده من الضباط الذين قادوا عمليات التعذيب البشع، الذي تعرض له المعتقلون الإسلاميون في السجون في الفترة من 1993م و حتى 2001م، و ذلك شمل أساليب و مجالات عدة منها استخدام الجنائيين في تعذيب السياسيين بأسلوب مباشر وعلى نطاق واسع.
ومن القصص العجيبة في هذا المجال ما حدث عندما كنت في سجن الواحات (الوادي الجديد) عام 1995م.
حيث كان المسجونون الجنائيون يشاركون في عمليات تعذيب المعتقلين السياسيين ثم فجئوا بتعديل القانون بشأن قضاء مدة العقوبة، فبدلا ما كانوا يقضون ثلث المدة المحكوم عليهم بها فقط ثم يفرج عنهم في إطار عفو عام يأتي في الأعياد صاروا يقضون نصف المدة ثم يحق لهم بعدها الخروج في العفو، و جن جنونهم حينئذ، وقال بعضهم هذا ذنب المشايخ الذين نعذبهم.
ــــــــــــــــــــ
نشرت هذا الموضوع في جريدة ” الدستور” المصرية وكان هو الحلقة 16 من 16 حلقة نشرت تباعا بشكل أسبوعي، وشرحت فيها مشاهداتي لجانب من أوضاع المعتقلين السياسيين في سجون حسني مبارك طوال فترة اعتقالي التي استمرت من 21 فبراير 1993م وحتى 1 أغسطس 2007م.