خواطر حول الحج وأيامه

الحج
تثير أيام الحج لدى المسلمين ذكريات عديدة ففي مثل هذه الأيام منذ ألاف السنين جرت مشاهد عدة بين سيدنا إبراهيم و زوجته و ابنه و كذا بينهم وبين إبليس.
المشهد الأول
ففي البداية نرى المشهد الأول حيث بلغ نبي الله إسماعيل بن نبي الله إبراهيم مبلغ الشباب و هذه مرحلة عمرية عندها يفرح الأباء ببلوغ أبنائهم لها، و يمكننا تصور مدى فرح سيدنا إبراهيم (عليه السلام) ببلوغ ابنه إسماعيل (عليه السلام) لهذه المرحلة العمرية إذا تذكرنا أن سيدنا إبراهيم رزقه الله بإسماعيل بعد أن كبر عمره، فجاءه ابنه البكر بعد طول إنتظار وبعد بشارة الله له به.
لكن بعد كل هذا جاءت المفاجأة بالمشهد التالى:
سيدنا إبراهيم(عليه السلام) يرى في المنام أنه يتوجب عليه ذبح إبنه الوحيد إسماعيل(عليه السلام) و يفكر مليا خشية أن لا يكون هذا وحيا من الله و أن يكون وسواسا من الشيطان, لكن الرؤيا تتكرر بما لا يدع مجالا للشك بأنها وحى من الله.
المشهد الثالث
و هنا يبدأ المشهد الثالث حيث يتوجه إبراهيم (عليه السلام) لإبنه إسماعيل (عليه السلام) و يخبره بالأمر “يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى”, ويرى بعض المفسرين أن سيدنا إبراهيم إنما شاور إبنه إسماعيل ليهيئه لقبول ما نزل من بلاء الله فيثبت من قدمه إذا فزع فيهون عليه الأمر, و ليعلمنا المشورة في الأمور كلها.
و ينتهى المشهد بالرد القاطع و الإذعان و الإنقياد الواضح من سيدنا إسماعيل (عليه السلام) “يا أبت إفعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين”.
وهنا تنتصر كل معانى الإيمان و العبودية والإذعان لأوامر الله سبحانه و تعالى, فإبراهيم (عليه السلام) مذعن لأمر الله له بذبح وحيده بيده، وإسماعيل بن إبراهيم الفتى الشاب اليافع مذعن لأمر الله أيضا……مستسلم لأن يذبحه أبوه طاعة لأمر الله تعالى، و هنا في هذا المشهد انتصر كل من إبراهيم و إسماعيل على النفس برغباتها و شهواتها وعلى تعلقها بالدنيا وبالولد و بالحياة.
المشهد الرابع
ثم يأتى المشهد الرابع حيث يحاول إبليس أن يقنع سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بعصيان أمر الله فلا يذبح وحيده لكن إبراهيم (عليه السلام) ينتصر على الشيطان بعدما إنتصر على نفسه و شهواتها من قبل, و لا يكتفى بهذا بل يقوم برجم إبليس بالأحجار.

المشهد الخامس
ثم يأتى المشهد الخامس حيث يتوجه إبليس إلى نبي الله إسماعيل (عليه السلام) و يحاول إقناعه بالتمرد على أبيه وعصيان أمر الله بذبح إسماعيل (عليه السلام) لكن إبليس يفشل للمرة الثانية على التوالى و ينهزم أمام إصرار إسماعيل على طاعة الله و تنفيذ أمره والصبر عليه, و لم يكتف إسماعيل بذلك بل قام برجم إبليس بالأحجار, وهنا فر إبليس مذموما مدحورا.
لكن إبليس لم يستسلم لهزيمتيه أمام إبراهيم و ابنه إسماعيل (عليهما السلام) بل قرر أن يكرر المحاولة مع أم إسماعيل السيدة هاجر (عليها السلام) لعله ينجح مع السيدة فيما فشل فيه مع الرجلين لأن إبليس كثيرا ما يأمل في النجاح مع المرأة ورغم أنه كثيرا ما ينجح مع المرأة فإنه أيضا كثيرا ما يفشل معها.
وحينئذ منى نفسه بالمحاولة مع السيدة هاجر، و ذهب إليها وحاول معها جاهدا في أن يقنعها بأن تمنع إبراهيم أو حتى تحاول منعه من ذبح وحيدها، لكن مصير إبليس مع السيدة كان متطابقا مع نفس مصيره السابق مع كل من السيدين العظيمين إبراهيم و إسماعيل (عليهم جميعا السلام) لقد طردته السيدة هاجر ورجمته بالأحجار.
و بذلك ضربت السيدة الجليلة أروع الأمثلة للمرأة الملتزمة بأمر الله الثابتة على عقيدتها و مبادئها الصابرة على قضاء الله وقدره القوية في مواجهة الباطل لدرجة مكافحة أكبر رموز الباطل باليد بل بالأحجار.

ذروة البلاء
و هنا نصل للمشهد الذى يجسد ذروة البلاء للسادة الأجلاء الثلاثة…… إبراهيم وابنه إسماعيل وزوجة إبراهيم أم إسماعيل السيدة هاجر (عليهم جميعا السلام)…….. لقد تحتم ذبح الابن الوحيد و تقرر تنفيذ هذا الأمر الإلهي.
و هنا ننتقل للمشهد التالى لذلك كله و هو إنطلاق الأب النبى بولده الوحيد لتنفيذ الذبح به، والولد يقول لأبيه اربط يدى في عنقي و اكفأ وجهي للأرض لئلا ترى وجهى أثناء الذبح فتحن و تتردد في تنفيذ أمر الله.
هل هناك إذعان لأمر الله كهذا؟؟؟؟
و الأب يستجيب لوصية ابنه البار ثم يحاول الذبح دون جدوى فالسكين رغم حدتها لا تقطع ….. سبحان الله ما أشد هذا البلاء!!!!
و يحاول أبو الأنبياء أن ينفذ أمر الله دون إبطاء لكن الله قدر أمرا كان مفعولا لقد نزل الملك بكبش عظيم ليفدى به إسماعيل، ويأمر إبراهيم بذبح الكبش فداء لإسماعيل، و يذبح إبراهيم الكبش فرحا بفرج الله.
المشاهد تتكرر كل عام في مناسك الحج
لكن هذه المشاهد لا تنتهى عند هذا الحد بل إنها تتكرر كل عام عندما يؤدى المسلمون مناسك الحج
فيرمون الجمرات كرجم لإبليس و يذبحون الهدى، فتخلد مناسك الحج ذكريات هذه المشاهد الخالدة بفضل الله لتنبه المسلمين لدروس وعبر كثيرة:

منها أن إنتصار المسلم على نفسه و رغباتها بهدف تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى أمر مهم
وهو جدير بأن يؤدى بصاحبه إلى لون من ألوان الخلود و هو ما يتحقق بدرجة ما في الدنيا لكنه يتحقق كاملا في الأخرة, و أن الإنتصار على النفس و نوازعها يصحبه دائما إنتصار على الشيطان اللعين.
و منها أن انتصار الحق على الباطل أمر واقع لا محالة في الدنيا قبل الأخرة
و قد خلد الله ذكرى هذا الإنتصار برمى الجمرات لنتذكر دائما إنتصار أبينا إبراهيم و إسماعيل و أمنا هاجر على الشيطان الرجيم.
و منها أن الفرج يأتى بعد الشدة مباشرة، وقد لا يأتى إلا بعد أن تبلغ الشدة ذروتها.
لكنه يأتى فيمحو الله به أثر البلاء و الشدة.
و منها أن البلاء ربما يرفع ذكر صاحبه و يخلد ذكره بفضل من الله ومنة.
و منها أن فضل الله ورحمته بعباده أمر عظيم جدا.
ولذا فإنه سبحانه لا يبتلى العبد الصالح ليهلكه و إنما يبتليه ليرفع درجاته ويعلى من مكانته و يخلد ذكره.
و منها أن تذكر المؤمنين لذكريات إنتصار أسلافهم على نوازع النفس وشهواتها لتحقيق العبودية الكاملة لله أمر مهم.
وذلك لشحذ الهمم وتقوية الإيمان، و كذا ذكريات إنتصار هؤلاء الأسلاف على الشيطان.
ومنها أن تذكر ما حدث من فرج الله الذى نزله على عباده المؤمنين بعد ما أصابهم من بلاء و شدة أمر مهم.
يقوى الإيمان و يشحذ الهمم و يشد من العزائم.
و هكذا تتداعى على الذاكرة المسلمة ذكريات إبراهيم وإسماعيل وهاجر و إنتصارهم على الشر و تحملهم للبلاء العظيم ثم فرج الله الذى نزل عليهم من السماء، ليرفع عنهم البلاء و يبشرهم برفع درجاتهم عند الله، ثم يتداعى على الأذهان المسلمة تخليد الله لذلك كله في أيات القرآن الكريم ثم في مناسك الحج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألقيت هذا الموضوع كدرس عام في سجن الواحات عنبر 12 سنة 1996، وكان الورق والأقلام والكتب والمصاحف ممنوعة حينذاك، ثم كتبته في سجن استقبال طرة سنة 1999، ثم نشرته في مدونتي القديمة 18 ديسمبر 2007 بعد خروجي من الاعتقال بأربعة شهور.