إيران وأمريكا وإسرائيل بين خطاب السوشيال ميديا وحقائق توازن القوى

منذ اندلاع المواجهات الأخيرة، تحولت الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل إلى ساحة اشتباك افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث امتلأت الصفحات بالشعارات والهتافات وتحديد المواقف والانحيازات، لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
ماذا تستفيد إيران فعليًا من كل هذا الضجيج الرقمي؟
ماذا تستفيد إيران اليوم من شعارات وهتافات التأييد على الفيس بوك وكافة مواقع السوشيال ميديا؟؟
لا شيء.. لكن أغلب المسلمين العرب على الفيس بوك وعلى كل السوشيال ميديا مسكونين بغريزة محاربة طواحين الهواء في الخيال مع الشعور أنه يجاهد في سبيل الله أعداء الإسلام بالسلاح حاسرًا ضمن مجاهدي غزوة بدر.
لن يفيد إيران أحد سوى رجل يحمل سيفه ورمحه على كتفه، أما غير ذلك فهو (هبد وهرتلة) “مع كل احترامي وتقديري للجميع”.
إن كل هذا (الهبد) بالإعلان عن الموقف ومع من نقف و..الخ قد شبعنا منه منذ 2001 وحتى الآن.. فماذا فعل إعلان الموقف وتحديد لمن ننحاز ونؤيد وتحديد من نشجب ونحتج ضده؟؟!!
فهل هذا الإعلان عن الموقف والولاء لمن وضد من.. هل منع إبادة غزة والضفة وتهويد الأقصى؟؟ هل منع إبادة السوريين وتهجيرهم؟؟ هل منع إبادة قادة الحزب اللبناني وآلاف من أنصاره؟؟ هل منع إبادة القيادة الإيرانية في ساعتين؟؟
إن الحقيقة الصادمة هي أن إيران لا تستفيد شيئًا من هتافات التأييد على فيسبوك أو غيره، كما أن خصومها لا يتضررون من منشورات الغضب والانفعال، لأن الحرب لا تُدار بالترندات، ولا تُحسم بالشعارات، ولا تُكسب بالهتافات، وإنما تُدار بقوة المعصم وما يحمله من سلاح، وبشبكات النفوذ والتحالفات وموازين القوى.
هنا تبدأ أولى الحقائق في صراع إيران وأمريكا وإسرائيل، وهي أن السوشيال ميديا ليست ساحة قرار، وليست غرفة عمليات، وليست ميزان قوة.

وهم الفعل السياسي عبر السوشيال ميديا
أغلب المشتبكين في معركة السوشيال ميديا حول: مع من نقف؟ إيران أم أمريكا وإسرائيل؟ يمارسون نوعًا من الإشباع النفسي، يوهم الفرد بأنه يؤدي دورًا مؤثرًا في مجريات الأحداث، بينما هو في الواقع لا يغير شيئًا في معادلة الصراع.
كل الأفاضل المشتبكين في موقعة السوشيال ميديا حول مع من نقف إيران أم أمريكا أم إسرائيل.. يشبهون سلوكيا الشخصية الكاريكاتورية “الكحيت” التي ابتدعها أحمد رجب ومصطفى حسين في جريدة الأخبار المصرية في الثمانينات، فـ”الكحيت” الذي لا يجد ما يأكله ولا يلبسه ولا مسكن له ولا لأسرته، ورغم هذا لا يتكلم إلا عن أسعار الطائرات والسياحة في الساحل الشمالي وأسعار الكافيار!
وهكذا كل الأفاضل المشتبكين في موقعة السوشيال ميديا حول مع من نقف إيران أم أمريكا أم إسرائيل.. يشبهون سلوكيًا هذا “الكحيت”.

فهم لن يقفوا ولن يقعدوا غير في الواقع الافتراضي.. أي في الخيال.. ولا هم هينفعوا إيران ولا أمريكا ولا إسرائيل ولا هيضروها، وإنما هو مجرد إشباع نفسي للشخص بأنه له دور وتأثير في الواقع، ليوهم نفسه أنه غير كسول وغير مقصر بشأن العمل السياسي أو الإسلامي الحركي الفعلي على أرض الواقع في الحياة العامة.
هذا شأن المخلصين من المشتركين في هذه (الهوجة).. أما من يقبضون مرتبات من أطراف الصراع فهم يقومون بعملهم الذي يسترزقون منه، وهؤلاء غير مقصودين بهذا الحديث.
إعلان المواقف وتحديد الولاءات والانحيازات لم يمنع إبادة غزة والضفة، ولم يمنع تهجير السوريين، ولم يمنع اغتيال قيادات، ولم يغير موازين القوى في أي ساحة، فكيف يمكن لمنشور أو وسم أو مقطع فيديو أن يحسم صراعًا عسكريًا أمنيًا استراتيجيًا بهذا التعقيد؟
السياسة ليست “طق حنك”، وليست خطابات، وليست ضوضاء عاطفية، السياسة أدوات، وقوة، ومصالح، وتوازنات، وقدرة على الفعل الميداني، ومن لا يملك أدوات الفعل لا يملك التأثير العملي في الأحداث.
طبيعة الصراع بين إيران وأمريكا وإسرائيل
أمر آخر مهم التذكير به -مع استصحاب كل ما سبق- وهو أن إيران لا تقاتل من أجل الإسلام ولا من أجل المسلمين ولا من أجل العروبة، إنما لها مشروعها الخاص.
نعم هي تجرح عدوًا لنا أخطر منها، وهو المنظومة الإسرائيلية الأمريكية، لكنها تعمل ذلك ضمن حساباتها الاستراتيجية إلى أن تتفاوض معهم ليفسحوا لها هوامش حركة، وبالتالي فهذا لا يجعل مشروعها مشروعًا جامعًا للأمة.
فهي تعمل وفق حساباتها السياسية والاستراتيجية، وقد تتقاطع مصالحها مع أطراف هنا أو هناك، لكنها لا تتحرك بدافع نصرة أهل السنة أو تحرير فلسطين.
فإذا أردنا أن نفكر تفكيرًا سياسيًا سليمًا في صراع إيران وأمريكا وإسرائيل، فعلينا التذكير بهذا كله.
إذ همنا أن نفهم بدقة من العدو الأخطر ومن العدو الأقل خطورة، أو من العدو الحالي أو العاجل ومن العدو التالي بعده، وليست المسألة (هيصة) و(ترند) يذيب الفوارق تحت شعارات براقة فارغة، تفتح الباب لزوال الحواجز النفسية بين مشاريع متعارضة.
والحاصل أن تذكيرنا بطبيعة المشروع الإيراني وجرائمه لن يهزم إيران في حربها الدائرة، ولن ينصر أمريكا أو إسرائيل، فالحرب الساخنة لا تدار ولا تحسم إلا بقوة المعصم وما يحمله من سلاح، وليس بالهتافات والشعارات والترندات، وإلا لكانت فلسطين والعراق واليمن وليبيا وبورما وتركستان الشرقية قد تحررت منذ سنوات.

محور المقاومة.. بين الخطاب والاتفاقات
الملاحظ في الاتفاقات السابقة لوقف إطلاق النار بين الأطراف –سواء بين الحزب اللبناني وإسرائيل أو بين إيران وإسرائيل أو غيرها– أنه لم يرد ذكر واضح لغزة ولا الفلسطينيين ولا القدس ولا فلسطين في نصوص الاتفاقات.
وهذا يكشف أن إدارة الصراع تجري وفق حسابات سياسية باردة، لا وفق الشعارات المتداولة.
وهنا نسأل من يقول إن إيران ومحورها يقاتلون من أجل الأمة وفلسطين: أين هذه المفردات في نصوص الاتفاقات؟
الأمر كله ممارسات سياسية واستراتيجية وحربية وأمنية لها قواعدها وتقاليدها، لا فيها دفاع مثالي عن الأمة الإسلامية ولا العربية بعكس ما يتصوره البعض، بل حسابات توازن القوى في صراع إيران وأمريكا وإسرائيل.
روسيا والصين.. حسابات القوة لا العاطفة
البعض يعتبر إرسال روسيا والصين قطعهم البحرية للمناورات البحرية الإيرانية أمام أنظار الحشود الأمريكية قرينة على أنهما ستتدخلان لحماية إيران في صراع إيران وأمريكا وإسرائيل، لكنني أرى أنها مجرد حركات استعراضية.
لو كانت هناك نية جدية في إعادة رسم ميزان القوى في مواجهة إيران وأمريكا وإسرائيل لكان الدعم العسكري النوعي مختلفًا تمامًا. أما الحضور المحدود فهو رسالة رمزية أكثر منه استعدادًا لحرب كبرى، لأن حضور هذه القطع البحرية القليلة لا يغير ميزان القوة الحقيقي.

توازن القوى في المشرق العربي
القضاء الكامل على المحور الإيراني قد يبدو للبعض مكسبًا عاطفيًا، لكنه سياسيًا واستراتيجيًا يخل بتوازنات المشرق العربي.
التفكير الاستراتيجي يقتضي النظر إلى النتائج البعيدة، لا إلى ردود الفعل اللحظية.
ومع هذا فإن الرهان على أن إيران ستحسم المعركة بالشعارات أو أنها تمثل مشروعًا إنقاذيًا شاملًا هو رهان ساذج، فالدول تتحرك بمصالحها، لا بعواطف الجماهير.
إن القضاء على المحور الإيراني ضار سياسيًا واستراتيجيًا بمسألة توازن القوى في المشرق العربي، أقول هذا رغم بغضي العقائدي والسياسي الراسخ ضد هذا المحور.
التفكير السياسي والاستراتيجي لا نبنيه على حب ولا كره وإنما على المصالح والمفاسد العاجلة والآجلة، بجانب ترتيب سلم الأعداء وتقدير حجم الالفرص والمخاطر ومآلات القرارات.
ولا شك في خطورة المنظومة الإسرائيلية الأمريكية على المسلمين والعالم كله، لكن هذا لا يعني تجاهل أخطاء وجرائم المحور الإيراني ضد شعوب أهل السنة في العراق وسوريا واليمن ولبنان وأفغانستان، وفي ضوء هذا كله يجب ترتيب الأولويات في فهم صراع إيران وأمريكا وإسرائيل.
ورغم هذا كله فلا أحب أن يفرح الإسرائيلي أو الأمريكي بأي نصر على فرقة مسماة بإسلامية، حتى لو كنت أختلف معها.
الحقيقة المؤلمة.. لا نملك أدوات للفعل
بما أننا لا نملك أدوات عمل فعلي على الأرض فلا نملك الآن إزاء الملاحم الكبرى التي تحدث على أراضينا سوى مواصلة نشر التنوير السياسي والاستراتيجي.
أنا لا ضد إيران ولا معها وأشاهد فقط لأني ليس بيدي أي أسباب و لا أملك أدوات للفعل.. وموقفي هذا ومواقف مئات الملايين على السوشيال ميديا لن تفرق شيئًا في نتيجة صراع إيران وأمريكا وإسرائيل.

وكما أننا لا نملك أسبابًا لصناعة فارق، فنحن أيضًا لا نملك أسبابًا للتحسب من أي نتيجة.
فالسياسة ليست طق حنك ولا شعارات ولا خطابات ولا سوشيال ميديا.. ولو كنا نملك شيئًا لكنا بذلناه لغزة والقدس وفلسطين.
من أراد حقًا كسر سيف الصهيونية وذيلها الأمريكي، فليدرك أن ذلك لا يكون بـ(الهيصة) ولا بالشعارات، وإنما ببناء قوة حقيقية سياسية واقتصادية وعسكرية، وبمشروع واضح المعالم يرتقي بقدراته إلى مستوى التحديات المفروضة على أمتنا.
الأسئلة الشائعة
هل تؤثر السوشيال ميديا في صراع إيران وأمريكا وإسرائيل؟
لا، صراع إيران وأمريكا وإسرائيل يُحسم بالقوة العسكرية والتحالفات والمصالح، لا بالترندات والهتافات.
هل إيران تقاتل من أجل الإسلام أو فلسطين؟
إيران تتحرك وفق مشروعها السياسي والاستراتيجي الخاص، وقد تتقاطع مصالحها مع أطراف أخرى، لكنها ليست حركة تحرير ديني جامع.
هل ستتدخل روسيا أو الصين عسكريًا في صراع إيران وأمريكا وإسرائيل؟
المعطيات الواقعية تشير إلى أن تحركاتهما أقرب إلى الاستعراض السياسي منها إلى تدخل عسكري مباشر شامل.