كتابة الأحاديث النبوية بدأت منذ عصر النبي محمد وإليكم الأدلة .. رد على إبراهيم عيسى

هل بدأت كتابة الأحاديث النبوية في عصر النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم؟
هذا السؤال كثيرا ما تمت إثارته في إطار اجابة سائدة يظن البعض صحتها و هي أن الأحاديث لم تتم كتابتها في عصر النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم وقد أشار الأستاذ إبراهيم عيسى في مقاله في الدستور الأسبوعي لهذه المعلومة كأنها بديهية مسلم بها.
و في السطور التالية نتعرض لحقيقة هذا الأمر كما وثقتها المراجع الاسلامية الثابتة كما نعرض لمراحل كتابة و تدوين السنة الشريفة للتدليل على حقيقة هذه المسألة المهمة.
و بداية لا بد من الاشارة إلى أن كتابة السنة في عهد النبي النبي صلى الله عليه و آله و سلم مرت بمرحلتين:
الأولى- في بداية الرسالة المحمدية
حيث نهى النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن كتابة الأحاديث النبوية، و كانت الحكمة من ذلك هي الحرص على ألا تختلط الأحاديث النبوية بالقرآن الكريم.
الثانية- و كانت بعدما ترسخ القرآن بأساليبه و مذاقه الخاص في قلوب و عقول المسلمين فأذن النبي صلى الله عليه وآله و سلم بكتابة السنة بل أمر النبي صلى الله عليه و آله و سلم بكتابتها
وذلك في مناسبات عديدة، فعن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أريد حفظه فنهتني قريش فقالوإنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ورسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني الا حق”.
رواه أحمد في مسنده و أبو داوود و صحح إسناده شعيب الأرناؤط و غيره.
و معروف أن عبدالله بن عمرو بن العاص كان إسلامه متأخرا فدل ذلك على أن الإذن في كتابة السنة كان في آخر الرسالة.
و مما يزيد ذلك وضوحا ما ورد عن أبي هريرة (و غيره) قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُودَى أَوْ يُقَادَ ».
فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُبْ لِى – في رواية الْعَبَّاسُ اكْتُبُوا لِى – فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه و آله وسلم- «اكْتُبُوا لأَبِى شَاهٍ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ اكْتُبُوا لِى يَعْنِى خُطْبَةَ النَّبِىِّ صلى الله عليه و آله وسلم، رواه أبو داود و احمد و البخاري و غيرهم.
وعن أَبَي هُرَيْرَةَ قال مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وسلم أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَلاَ أَكْتُبُ” رواه البخاري و مسلم و احمد و غيرهم.
كتابة الأحاديث النبوية في عصر النبي محمد
و في اطار كتابة السنة في عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم لا بد أن نلاحظ أن هذه الكتابة تشمل أنواعا عديدة نوجزها في ما يلي:
– رسائله صلى الله عليه و آله و سلم للملوك و الحكام في عصره و هي لا شك تحوى العديد من أحكام الدين.
– رسائله صلى الله عليه و آله و سلم للقبائل يدعوها للاسلام أو للتي أسلمت يعلمها بأبرز أحكام الاسلام، وهي عديدة.
– رسائله صلى الله عليه و آله و سلم للولاة و القضاة و عمال الزكاة يعلمهم فيها بأحكام الدين الواجب عليهم اتباعها في أعمالهم.
– معاهدات النبي صلى الله عليه و آله و سلم و مواثيقه و اتفاقاته.
– عقوده صلى الله عليه و آله و سلم وقرارات عفوه.
– ما كتبه بعض الصحابة من حديثه و أشهر هذه الصحف صحيفتي على بن أبي طالب و عبدالله بن عمرو بن العاص، و كلتاهما مرويتان في كتب السنة خاصة مسند أحمد.
وهذا كله في عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم أي أثناء حياته صلى الله عليه و آله و سلم.

كتابة الأحاديث النبوية بعد عصر النبي في عصر التابعين
أما بعد عصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم أي في عصر صحابته و تلامذة الصحابة الذين يطلق عليهم اصطلاحا اسم التابعين فقد اهتموا بكتابة الأحاديث النبوية وجمعها من الأفواه بشكل فرد،ي و ليس في إطار جهاز الدولة بعكس ما فعله أبو بكر وعثمان (رضى الله عنهما) في جمع القرآن، فجَمْعُ السنةِ وكتابة الأحاديث النبوية ظل مجهودا أهليا حتى ذلك الوقت حيث عزم عمر بن الخطاب في أثناء حكمه على جمع السنة و تدوينها كما فعل أبو بكر في القرآن.
و ظل يصلي استخارة على هذا الأمر شهرا كاملا لكن عمر لم ينشرح صدره لفعل ذلك فتراجع عنه، و ظلت مسألة كتابة الأحاديث النبوية وتدوين السنة مجهودا فرديا و أهليا بعيدا عن دوائر الحكم، و على سبيل المثال لا الحصر كان الحسن بن على (رضى الله عنهما) يقول لبنيه و بني أخيه “تعلموا العلم فإنكم صغار قوم اليوم، تكونون كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتبه و يضعه في بيته”.
و كان لابن عباس(رضى الله عنهما) ألواح يكتب فيها الحديث عن الصحابة و قد تجمع لديه حمولة جمل من الكتب و قد قالت سلمى زوجة أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه و آله و سلم: “رأيت عبدالله بن عباس يأتي إلى زوجي حاملا معه ألواحا خشبية ليكتب أحاديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم”.
و هناك العديد من الصحابة و التابعين كانت لهم كتب يجمعون فيها السنة ثم يقومون بروايتها منها، بل إن أبا هريرة نفسه قد لجأ لكتابة محفوظاته بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم خشية النسيان و وَرَّثَ كتبه للعديد من تلامذته و اشهرهم وهب بن منبه و سعيد المقبري وغيرهما.
ولا تتسع المساحة لتتبع أسماء الصحابة و التابعين الذين لجأوا ل كتابة الأحاديث النبوية و جمعها من الأفواه بدءا من عصر الخلفاء الراشدين وحتى التدوين الشامل للسنة.
و تأتي مصر عام 80هـ كعلامة فاصلة في هذا المجال، ففي مصر بدأ جمع السنة وكتابة الأحاديث النبوية مدونة بشكل رسمي.
وذلك عندما بدأ والي مصر الأموي عبد العزيز بن مروان في الاهتمام بجمع السنة مدونة، و قد كتب عبدالعزيز بن مروان إلى كُثَيْر بن مرة الحضرمي (و كان قد تتلمذ على العديد من الصحابة و منهم سبعين من أهل بدر) أن يكتب إليه يما سمع من الصحابة من حديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلا أحاديث أبي هريرة.
وذلك لأن أحاديث أبي هريرة كانت مدونة كاملة عند عبدالعزيز (لاحظ هنا أن عدد أحاديث أبي هريرة تزيد عن 5000 حديث وكلها مدونة بشكل كامل لدى والي مصر عام 80هـ).
كتابة الأحاديث النبوية في خلافة عمر بن عبدالعزيز بن مروان (عام 100هـ)

ثم تأتي خلافة عمر بن عبدالعزيز بن مروان (عام 100هـ) كمرحلة متميزة من مراحل كتابة الأحاديث النبوية وتدوين السنة فعمر خليفة أموى لكنه من جهة أمه حفيد لعمر بن الخطاب و سار في الحكم على نهج جده الفاروق فعده العلماء و المؤرخون خامس الخلفاء الراشدين إلا أن المفارقة أنه لم يسر في مجال كتابة الأحاديث النبوية وتدوين السنة على نهج جده عمر بن الخطاب.
إذ سار عمر على نهج أبيه عبد العزيز بن مروان و إن بشكل أكثر شمولا فأرسل إلى جميع ولاة الدولة الاسلامية من الصين شرقا إلى أسبانيا و المغرب غربا “انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فاجمعوه”، و كتب إلى أهل المدينة “انظروا حديث رسول صلى الله عليه و آله و سلم فاكتبوه فإني خفت دروس العلم (أى زواله) و ذهاب أهله”.
كما كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عامله أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم “اكتب إلى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و بحديث عمرة فإني خشيت دروس العلم و ذهابه” و هذا العامل حفيد أحد الصحابة ذوي الرواية في الحديث كما أن عمرة هذه هي بنت عبد الرحمن حافظة الأحاديث من مرويات عائشة (رضى الله عنها) و هي خالة أبي بكر بن حزم.
و جاء في رواية: “فإني خفت دروس العلم و ذهاب العلماء و لا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و ليفشوا العلم (أي انشروا العلم) و ليجلسوا (أي العلماء) حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا”.
و كان مما كتبه خامس الخلفاء الراشدين إلى جميع ولاته بالولايات الاسلامية: “أما بعد، فأمروا أهل العلم أن ينتشروا في مساجدهم فإن السنة قد اميتت”، كما كان مما كتبه “إنه لا رأي في كتاب الله و إنما رأى الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب و لم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و لا رأى لأحد في سنة سنها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم”
ولذلك فقد كان عمر بن عبدالعزيز يجتمع بالفقهاء لفحص السنن التي تم جمعها زيادة في التأكد من صحتها.
و قد أمر عمر بن عبد العزيز المحدث الشهير محمد بن شهاب الزهري بتدوين كل ما تم جمعه و تم نسخه كاملا في دفتر كبير (حسبما ذكر مؤرخو السنة) و تم نسخ دفتر لكل ولاية من ولايات الدولة الاسلامية و ارساله إليها، و بهذا تم كتابة الأحاديث النبوية بمرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها التدوين الرسمي للسنة النبوية .
بداية تدوين كتب الحديث النبوي مبوبة تبويبا موضوعيا
لكن هذا التدوين لم يكن نهاية المطاف، إذ بدأت مرحلة جديدة من مراحل كتابة الأحاديث النبوية عبر قيام العشرات من علماء الحديث كابن اسحاق (توفي بالمدينة 151هـ) و مالك بن أنس (توفى بالمدينة 179هـ) {صاحب كتاب موطأ مالك المشهور حتى اليوم} و ابن جريج (توفي بمكة 150هـ) و الأوزاعي (توفي بالشام156هـ) و الليث بن سعد (توفى بمصر 175هـ) و معمر بن راشد (توفى باليمن 153هـ).
لقد قام هؤلاء و غيرهم بكتابة كتب جمعوا فيها مروياتهم في الحديث مبوبة على أبواب موضوعية و إن كان أغلبهم بوب على أبواب الفقه، وبذلك افترقت و تميزت هذه المرحلة عن جميع مراحل التدوين السابقة بأنها بوبت الأحاديث في أبواب موضوعية، أما في جميع المراحل السابقة فقد كان هَمُّ المدونين جمع أي حديث نبوي في كتاب واحد دون النظر لموضوع كل منها و دون ترتيبها أي ترتيب من أي نوع ، وهذه بالطبع أحد المحطات أو المراحل المهمة في كتابة الأحاديث النبوية.
و بعد هذه المراحل من كتابة الأحاديث النبوية جاءت مرحلة التدوين الكبرى للحديث في القرن الثالث الهجرى الذي يعتبر عصرا ذهبيا للسنة حيث تم تدوين الكتب و المراجع المهمة للسنة كصحيحي البخاري و مسلم و سنن أبي داوود و مسند أحمد و غيرها من كتب السنن التي وصلتنا كاملة الآن و جرت عليها منذئذ و حتى الآن الدراسات الحديثية العديدة من تحقيق و تصحيح و تضعيف و شرح و تعليق و جمع لها معا في موسوعات عظيمة الشأن تجمع عشرات الآلاف من الأحاديث .

مكانة الكتابة في حفظ الأحاديث النبوية
و إنما أطلنا في ذكر مراحل تدوين السنة لنوضح أن السنة وإن اعتمدت على الرواية الشفهية في الظاهر للتحقق من مدى صحة الحديث فإنها في حقيقتها معتمدة أيضا على الكتابة بشكل رئيس و جوهري لأن علماء الحديث اشترطوا في راوي الحديث شروطا عدة حتى يكون الحديث صحيحا و من هذه الشروط أن يكون الراوي ضابطا لما يرويه أي حافظا له حفظا تاما دون أي تردد أو تشوش.
و لكنهم مع ذلك قسموا هذا الضبط لنوعين ضبط كتاب و ضبط ذاكرة، فمن ضعفت ذاكرته أو شك فيها لزمه أن يعتمد على كتب مكتوبة فيها مروياته بعد أن يكون كتبها من شيخه الذي روى له الحاديث و راجعها عليه مراجعة جيدة تأكد فيها من إقرار الشيخ لكل ما كتبه عنه، و لذلك ضَعَّفَ علماء الحديث ما يسمى بالوجادة و هي أن يجد الرواي كتابا مدونة فيه مرويات الحديث الخاصة براوي معين دون أن يسمعها منه بنفسه و دون أن يراجعها عليه.
و بعيدا عن الدخول في تفصيلات فنية خاصة بعلم الحديث تخرج عن اهتمام القارئ غير المتخصص، فإننا أردنا أن نوضح أنه حتى و لو لم تصلنا صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص أو على بن أبي طالب أو أبي هريرة أو غيرهم من الصحابة الذين كتبوا الحديث، ولا ما كتبه من بعدهم من الصحابة أو التابعين أو ما جمعه عمر بن عبد العزيز.
فإنه رغم ذلك كله فكل هذا وصلنا عبر انتقاله من كتاب لكتاب حتى تم جمعه في كتب الحديث الموجودة بين أيدينا الآن ككتب البخاري ومسلم ومسند احمد و السنن الأربعة و غيرها وهي التي تتضمن حاليا ثمرة كتابة الأحاديث النبوية.
و من فتح أي كتاب من هذه الكتب سيجد أن مالك و الأوزاعي و ابن شهاب الزهري وابن اسحاق وابن جريج ومعمر وغيرهم من أصحاب كتب الحديث البائدة (ان جاز التعبير) هم الرواة الذين نقل الحديث عنهم كل من البخاري ومسلم وأبو داوود وأحمد وغيرهم في إطار كتابة الأحاديث النبوية أو تدوينها.
كما سيجد روايات تمثل صحف عبدالله بن عمرو و ابن عباس و على بن طالب موجودة في هذه المراجع الحديثية التي بين أيدينا و بعضا منها صرح بذلك تصريحا لا لبس فيها، و من هنا فما ذكره الأستاذ ابراهيم عيسى من أن السنة لم تكتب إلا في وقت متأخر غير صحيح و الحديث الذي استدل به صحيح فهو في صحيح البخاري لكن استدلال عيسى به في غير محله.
فالحديث نصه في البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَاخْتَصَمُوا مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاِخْتِلاَفَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُومُوا.
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. و في رواية في البخاري أيضا: “فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ قَالَ قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ”.
و الحديث كما هو واضح خاص بما تكون عليه الأمور الخلافية بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و كيفية حسم الخلاف فيها خاصة طبعا أمور الحكم أو من يخلف النبي صلى الله عليه و آله و سلم كحاكم وهذا واضح من تعليق ابن عباس على الحديث وهو الذي رواه، فليس من المعقول أن النبي كان سيملي و هو في مرض الموت كل سنته و شريعته.
و من هنا فاستدلال إبراهيم عيسى بهذا الحديث بأن السنة لم تكتب في عهد النبي غير صحيح فالحديث لا ينفي هذا و لا يثبته بل هذا الحديث لا علاقة له به بمجمل السنة لكنه خاص بكتابة أمر معين كان سيمنع الفتن والخلاف بل التقاتل على الحكم الذي حدث بعد موته صلى الله عليه و آله و سلم.
بل ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه و آله وسلم- خَطَبَ النَّاسَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه البيهقي و مالك و غيرهما و صححه الألباني، فهو في حجة الوداع قبل موته بأكثر من سنة يقول تركت فيكم القرآن و السنة فكيف كان سيملي السنة في مرض موته؟!
هذا فضلا عن أن الأحاديث التي سقناها و الوقائع التاريخية تثبت أن السنة جرت كتابتها في كل العصور منذ عصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم و حتى وصولها إلينا.
وهذا يثبت مدى العلمية والموضوعية والثقة التي تتمتع به عملية كتابة الأحاديث النبوية ومن ثم مراجع السنة لا سيما لو قارناها بالكتاب المقدس في عهديه القديم (التوراة) و الجديد (الانجيل و ملحقاته) فقد كتب الأول بعد موسى عليه السلام بمئات السنين بينما كتبت أقدم أجزاء الثاني بعد عيسى عليه السلام بقرن من الزمان و بعضها باكثر من ذلك ومن هنا فيجب أن ننزل عملية كتابة الأحاديث النبوية مكانتها التي تستحقها من الموثوقية وهذا يشمل طبعا مراجع السنة النبوية التي تتضمن ثمرة كتابة الأحاديث النبوية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تم نشر هذا الموضوع في جريدة الدستور في العدد الاسبوعي.
