إدارة الوقت والمسلم المعاصر .. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا

إدارة الوقت
إدارة الوقت هي من أهم أمور المسلم المعاصر كي ينجح في حياته دينيا ودنيويا، ولتوضيح أهمية وكيفية إدارة الوقت إدارة سليمة ومثمرة فيجب أن نتأمل قول الله تعالى: “إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا” سورة النساء من الآية 103، ونقل ابن كثير قول ابن مسعود تفسيرا لها اذ قال رضى الله عنه: (إن للصلاة وقتا).
ومواقيت الصلاة الخمسة تفرض على المسلم نظاما في حياته اليومية إذ يلزمه صلاتها في أوقاتها المحددة، والتي تتوزع على ساعات اليوم والليلة كلاهما مما يرتب نظام المسلم اليومي طوال حياته كلها، ومن الواضح أن هذا مدخل لإدارة المسلم المعاصر لوقته مهما كان الزمان والمكان الذي يعيش فيه.
ويتضافر مع ذلك واجبات ومندوبات شرعية متعددة كل منها مقيد بوقت محدد بعضها يومي مثل صلاة الضحى او الوتر او التهجد، أو أذكار الصباح والمساء، أو أسبوعي أو شهري كاستحباب صيام أيام محددة، وكصلاة الجمعة، وبعضها سنوي كصوم رمضان أو صلاة التراويح أو أداء الحج أو العمرة.
وذلك كله يمثل إطارا إسلاميا لإدارة المسلم المعاصر لوقته بكفاءة عالية تضمن له النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.إن المسلم المعاصر الناجح الجاد هو من يحسن إدارة وقته، ولن يحسن إدارة وقته إلا من قدم الواجبات في أوقاتها المحددة لها شرعا على المندوبات، ثم قدم المندوبات في أوقاتها المستحبة لها على المباحات.
ففي الحديث القدسي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ اللَّهَ قَالَ: “مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ”.
رواه البخاري في صحيحه وأحمد في المسند.
والشاهد لنا من الحديث هو جملة “وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ”.
بين المباح والإسراف
وإن كان هذا هو الحال في تقديم الواجبات الدينية ويليها المندوبات الدينية، فإن الأمر مع المباحات يحكمه قوله تعالى: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين” سورة الأعراف آية 31، فبعد إتمام الواجبات والتزود بقدر مناسب من المندوبات بما يرفع مقامك في الدار الآخرة فلا بأس من تذوق المباحات في إطار قاعدة قوله تعالى: “ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين”، وهذا النسق المتكامل لإدارة الوقت في الشأن الديني والعمل للآخرة يتماس مع عمل الدنيا من ناحيتين:
الأولى-أن هذا النسق وضع حدين للمباح الحد الأول وهو “موعد البدء” في تذوقه وهذا الموعد يحين حين توفي ما عليك من واجبات ثم مندوبات، أما الحد الثاني فهو “موعد الانتهاء” من التمتع به وهو عندما يصير التلبس بهذا المباح هو من الإسراف، فمن بدأ بنقطة البدء وانتهى عند نقطة الانتهاء صار ملتزما بهذه القواعد الإسلامية المنظمة لإدارة الوقت.

أولويات المسلم
الثاني- أن هذا النسق ألمح بشكل واضح إلى ترتيب أولويات المسلم في ترتيب عمله الدنيوي اليومي والشهري والأسبوعي والسنوي وهو “الواجب دنيويا” أي بلغتنا المعاصرة “الضروري أو المهم أولا” ثم الأقل أهمية تاليا وذلك من أمور الأعمال الدنيوية.
ثم يتلو هذا كله الترفيه أو التمتع المباح بغير إسراف أيضا لأنها أمور مباحة يشملها قوله تعالى: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين”.
فمن سار وفق هذا الترتيب “المهم أولا ثم الأقل أهمية ثم الترفيه والتمتع بعد الانتهاء من الأعمال المهمة وما يليها” فإنه قد التزم بهذه القواعد الإسلامية التي تضمن للمسلم نجاحا وفاعلية وجدية في كافة أعماله الدنيوية، بعدما كان قد التزم بها في أعماله الدينية مما يجلب له رضا الله تعالي.
أعمال المسلم الدينية الدنيوية
ولكن ما العلاقة بين أعمال المسلم الدينية وهي الواجبات والمندوبات وبين أعمال المسلم الدنيوية؟
إجابة هذا السؤال تقتضي توضيح أن الغاية من خلق الإنسان أصلا هي أن يؤدي الأعمال الدينية قال تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ” سورة الذاريات الآيتان 56-57.
فالعبادة (واجبات ومندوبات) هي وظيفة الانسان الأساسية والأولى، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:”مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِى قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ”.
رواه أبو داوود وأحمد الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
ومن ناحية أخرى فإن الإسلام إنما جاء لإصلاح الدنيا بالدين وذلك مما ألمح إليه الحديث النبوي المذكور آنفا بقوله (أتته الدنيا وهي راغمة)، كما قال تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” النحل آية 97.
ولذلك نجد أن هناك الكثير من الأعمال التي ظاهرها أنها من أعمال الدنيا يثيب الله عليها من مثل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:” وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِى فِى امْرَأَتِكَ” رواه البخاري في صحيحه.
وقوله صلى الله عليه وآله و سلم: “مهما أنفقت” يقصد النفقة على أهله كما هو واضح من سياق الحديث الكامل ومن رواياته الأخرى كمثل أحد روايات مسند أحمد (رقم 1498) اذ نصت: “إِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ عَلَى أَهْلِكَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّكَ تُؤْجَرُ فِيهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِى امْرَأَتِكَ”.
وفي الأحاديث النبوية العديدة الكثير من هذه المعاني التي تمدح الأعمال الدنيوية التي يتعدى نفعها للغير مما نسميه في لغتنا المعاصرة “أعمال الخير” من مثل قول النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله و سلم: “عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فَقَالُوا يَا نَبِىَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ” رواه البخاري في صحيحه.
وفي رواية أبي هريرة عند البخاري أيضا قال النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله و سلم “كُلُّ سُلاَمَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِى دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ”.
والأحاديث النبوية في هذا المعنى كثيرة ومشهورة، ومن هنا نفهم الأولويات وترتيبها فالواجبات الدينية أولا ثم المندوبات الدينية تاليا كل منها في وقته المحدد له شرعا ثم الواجبات الدنيوية (أي مهمات الأمور) ثم المندوبات الدنيوية (أي الأقل أهمية دنيويا لكنها مستحسن ويفضل أداؤها) ثم المباحات (من ترف وترفيه وتمتع مباح) بشرط عدم الاسراف.

أما إن تجاهل المسلم هذه القواعد الإسلامية الحاكمة لإدارة الوقت فإن الوقت يتسرب منه دون أن ينجز عملا نافعا لدينه ودنياه ويصير ضمن من قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ” رواه البخاري في صحيحه وغيره.
كما جاء عن الإمام الشافعي قوله: (صحبت أهل الطريق فوجدت أن طريقتهم كلها تنحصر في كلمتين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بطاعة شغلت بمعصية) وقصد بأهل الطريق أهل التصوف.
وهكذا ينظم الناجحون والجادون الفعالون وقتهم وهي قواعد رسخها الإسلام عبر ترسيخه لقواعد ترتيب الأولويات في أمور الدين بما يمثل إطارا حاكما أو إطارا مرشدا ومنظما لكافة أعمال المسلم وأنشطته الدينية والدنيوية يوميا وأسبوعيا وشهريا وسنويا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر هذا الموضوع في موقع طريق الإسلام ، وفي مدونتي القديمة ، وغيره.