الفتنة الطائفية بين التاريخ والجغرافيا في مصر

الفتنة الطائفية في مصر صورة أرشيفية
عزز حوار الأنبا بيشوي يوم الأربعاء 15 سبتمبر مع المصري اليوم العديد من الهواجس بين العديد من المراقبين حول إمكانية اندلاع الفتنة الطائفية في مصر، و كانت تطورات أحداث قضية كاميليا شحاتة منذ شهرين و ما صحبها من ردود أفعال متنوعة قد أثارت مثل هذه المخاوف.
و لكن لا شك أن مصر عصية على الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط منذ دخل الإسلام مصر.

فتاريخ مصر و جغرافيتها تشهد على وحدة و تجانس الشعب المصري مع تنوع دياناته وعقائده، فالمسيحية لم تشهد حرية اعتقاد وعبادة إلا في ظل الحكم الإسلامي الذي حررها من نير الاستعباد والاضطهاد الروماني الذي كان يتدخل في أدق شئون العقيدة لدى المسيحيين المصريين ويسعى لإكراههم و إرغامهم على الاعتقاد بمذهب الدولة البيزنطية في مجال الاعتقاد المسيحي.
و عندما دخل عمرو بن العاص مصر كان قادة رجال الدين المسيحي المصريون هاربين من حكام مصر الرومان و متخفين في صحراء مصر خوفا من البطش و القمع الروماني لهم, و ما إن حكم المسلمون مصر حتى أطلقوا حريات المسيحيين الأمر الذي أدى إلى تحول أغلب المسيحيين المصريين إلى اعتناق الإسلام بعد عقود من الفتح الإسلامي لمصر.
و من هنا صار أغلب المصريين مسلمين بسبب سماحة الإسلام و احترامه لغير المسلمين و عدله مع جميع مواطنيه بغض النظر عن اللون أو الجنس أو العرق أو الدين، لا يمكن لأحد أن يزعم أن أغلبية مواطني مصر المسلمين هم من العرب، لأن الجيش العربي الذي فتح مصر لم يتجاوز عدده الأربعة آلاف مقاتل.

و حتى لو حدثت هجرات عربية بعد ذلك فمستحيل أن تكون بعدد يفوق عدد سكان مصر بكل هذه النسبة لا سيما إذا قارناه بعدد العرب من سكان الجزيرة العربية اليوم الذي لا يصل مجموعهم لأربعين مليون بينما عدد سكان مصر الآن نحو 85 مليون نسمة.
فالقول بأن مسلمي مصر هم العرب الفاتحون وإنكار أن أغلب المصريين الذين كانوا مسيحيين قد دخلوا في الإسلام كل هذا استكبار ومكابرة تجافي التاريخ و الجغرافيا و المنطق العلمي السليم.
و من ناحية تاريخية أخرى فإن مواطني مصر المسيحيين ظلوا في ترابط مع مسلميها حتى في أحلك الظروف فحتى أيام الحروب الصليبية فأغلب مسيحي مصر لم يحاولوا الانشقاق والتعاون مع الغزاة بل ظلوا يدعمون المجهود الحربي الإسلامي ضد الصليبيين.

و نفس الشئ تكرر في حملة لويس التاسع الصليبية على دمياط ثم في العصر الحديث في الحملة الفرنسية و بعدها أيام الاحتلال الانجليزي في كل هذه المراحل وقفت أغلبية المسيحيين المصريين مع مواطنيهم المسلمين يدعمون نضال المسلمين ضد الغزاة.

هذا كله من حيث التاريخ، فتاريخ علاقة المسيحيين والمسلمين المصريين هو تاريخ من التعايش والتجانس الدائم ولا يشوش على ذلك القليل من التوترات التي افتعلها أو يفتعلها جهال أو متطرفون من أي طرف لأن ذلك من القليل النادر الذي لا ينبني عليه حكم عام ولا تهديد بحدوث أنواع من الفتنة الطائفية .
أما من حيث الجغرافيا فإن بيوت و مواطن بل و حتى مقابر المسلمين و المسيحيين المصريين متجاورة و متداخلة بحيث لو شاء أحد الأعداء الخارجيين أو المتطرفين الداخليين أن يقسم البلاد إلى دولة مسيحية أخرى مسلمة فإنه لن يجد أي سبيل إلى ذلك بسبب تداخل و ترابط مواطن كلا الفريقين من المصريين.
فلا يوجد في مصر حي يخلو من مسلمين ومسيحيين معا، ولا توجد منطقة في مصر أو محافظة يمكن القول بأنها منطقة أو محافظة مسيحية فقط أو مسلمة فقط بعكس دول أخرى حدث فيها فتن على خلفيات دينية أو عرقية و ساعد على ذلك فيها التحيزات المناطقية.
و هكذا فإن تاريخ و جغرافية مصر تقفان ضد الفتنة الطائفية بين المصريين مسلمين ومسيحيين، وأي شخص يعمل على بذر بذور الفتنة الطائفية فهو يعمل ضد التاريخ و الجغرافيا ولن ينجح في إحداث الفتنة الطائفية…
ترى هل يمكن لأحد أن يغلب التاريخ و الجغرافيا؟!