ما الفرق بين القائد الحقيقي والقائد المزيف ؟

القائد
ما الفرق بين القائد الحقيقي والقائد المزيف الذي تولى القيادة بالصدفة أو بالوساطة والوصولية أو عبر النفاق؟.. لا شك أن القيادي الحقيقي أي السوي الطبيعي المتمتع بملكات القيادة السليمة هذا القيادي ينظر إلى أقصى مدى أمامه فقبل ما يخطو خطوة يعرف الخطوات العشر التالية لها و ما قد يعتري أيا منها من عقبات.
أما القائد الذي تولى القيادة قدرا لأنه يوجد فراغ (فانتهز هو الفرصة و جلس فيه) فعادة لا ينظر الا تحت قدميه على الخطوة الأولى فقط و لا يرفع عينيه عنها الا عندما يصفعه احد على قفاه صفعة قوية و كثيرا حتى عندما يتلقى الصفعة فإنه عندما يرفع رأسه لا ينظر امامه بل يلتفت للخلف.
بسمارك.. نموذج الرؤية الاستراتيجية

ألمانيا لم تكن دولة واحدة في القرن الـ 19 لكن “بسمارك” قرر أن يوحد الدويلات الألمانية ليعيد المجد الألماني و كان بسمارك وقتها رئيس وزراء أكبر هذه الدويلات و أقواها و هي “مملكة بروسيا” و علم بسمارك بحنكته السياسية أنه لا بد أن يمزج بين أدوات الدهاء و المكر السياسي و بين القوة العسكرية و التي كانت تمتلك بروسيا وقتها قدرة جيدة فيها.
فماذا فعل بسمارك في المجال العسكري؟ هل فعل مثلما يفعل قادتنا الأفذاذ اللي بيقولوا ((و ايه يعني ده الولايات او الممالك دي كلها ها أكلها في قضمة واحدة و لا يمكن لأي منها أن تصمد أمام قوة جيشي و بأسه و هيلا بيلا)) … لا .. بسمارك فكر أولا .. و سأل نفسه أنا لو وحدت الولايات الألمانية تحت تاج ملك بروسيا من في العالم كله سيتضرر؟
و بفهمه العميق للنظام الدولي و آليات عمله وقتها علم أن الذي سيعارض الوحدة الألمانية هو فرنسا (و هي وقتها ثاني أقوى قوة في العالم) فقرر أن يعد القدرات العسكرية و الاقتصادية و التكنولوجية البروسية لتكون كافية لايقاع هزيمة منكرة بجارته فرنسا.
و بعدما استعد لفرنسا أنفذ ارادته بتوحيد كافة الولايات الألمانية تحت تاج ملك بروسيا مكونا الوحدة الألمانية أو ما عرف بالرايخ الثاني.
و حدث ما كان يتوقعه فعلا فقد اندلعت الحرب بينه و بين فرنسا عقب ذلك مباشرة لأن فرنسا ما كانت لتسمح بالوحدة الألمانية طواعية، و أوقع بسمارك بفرنسا هزيمة مريرة و أجبرها على القبول بالوحدة الألمانية و القبول بشروط بسمارك لايقاف الحرب.
كيسنجر يتحدث عن بسمارك: ثورة مُقنّعة

و بسمارك هذا هو من علق هنري كيسنجر على أعماله ازاء النظام الدولي و العلاقات السياسية الأوروبية -معجبا بها- بقوله : “من هو الشخص الثوري؟
إذا كان الجواب عن هذا السؤال ليس غامضا لما كان الثوريون الناجحون قلة، لأن الثوريين دائما ما يبدأون من موقف أضعف، و ينتصرون لأن النظام القائم لا يكون في مقدوره أن يدرك مدى وهنه، و يكون هذا بصفة خاصة عندما يظهر التحدي الثوري ليس بمسيرة على الباستيل بل مرتديا زى المحافظين.
إن قلة من المؤسسات هي التي تستطيع أن تدافع عن نفسها ضد أولئك الذين يدعون أنهم سيحافظون على تلك المؤسسات” (الدبلوماسية جـ1 ص 133 ط روز اليوسف ، القاهرة 2001م).” …
هل اتضح الفرق بين القيادي الفذ المبدع و القيادي بالصدفة أو القيادي على ما تفرج أو القيادي ابن الـ(…)؟؟؟؟!!!
تُجسّد هذه الرؤية الفارق الجوهري بين القائد صاحب الرؤية والقائد المُزيّف. فالأول يُغيّر النماذج، غالبًا في تظاهره بالحفاظ على الوضع الراهن. أما الثاني؟ فهو عادةً ما يكون تائهًا، قصير النظر، أو مُجرّد ردّ فعل.
الأزمة العربية.. قادة بالصدفة لا بالتخطيط
يحتلّ العديد ممن يُسمّون قادةً في العالم العربي اليوم مناصبَ سلطةٍ ليس بفضل جدارتهم، بل بفضل الصدفة أو الولاء أو التلاعب. إنهم يفتقرون إلى:
الرؤية الاستراتيجية
التخطيط المؤسسي
تقييم المخاطر الحقيقي
الشجاعة السياسية
عند مواجهة الأزمات، إما أن يتجمدوا أو يتصرفوا باندفاع. ومثل القائد الذي لا ينظر إلا إلى ما تحت قدميه، يقعون في الأخطاء – ثم يتراجعون عندما تُصيبهم العواقب.
الرؤية تُميّز الحقيقي عن المُدّعي
قائدٌ حقيقيٌّ مثل بسمارك نادرٌ – ولكنه أساسي. يُمزج بين:
التفكير الاستراتيجي بعيد المدى
الفهم العميق للأنظمة
القدرة على التنفيذ العملي
يبقى القائد المُزيف عالقًا في ردود أفعال قصيرة المدى، وغالبًا ما يُلحق الضرر بشعبه أكثر مما يُرشدهم. الدرس؟ القيادة تُكتسب لا تُمنح. وإذا كنا نرغب في التغيير في منطقتنا أو في العالم الإسلامي الأوسع، فعلينا أن نطالب بقادة ذوي رؤية، لا أولئك الذين وصلوا إلى القيادة بالصدفة أو بالتملق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر هذا الموضوع في موقع طريق الإسلام ، وغيره.


