كيف نقرأ التاريخ و نستفيد منه في فهم واقعنا المعاصر ؟

التاريخ الإسلامي

قراءتك التاريخ و المذكرات الشخصية و السير الذاتية بغرض فهم واقعنا المعاصر لا تفيدك كثيرا إذا كنت لاتزال في مرحلة تكوين عقلك و إكسابه القدرة على التفكر و التأمل العميق لكن طبعا ستفيدك قليلا.

و من أكثر الأشياء التي تكسبك القدرة على التأمل و التفكر العميق في التاريخ و السياسة و العلوم الاجتماعية هو التفكر في ما تقرأه و مناقشته و الجدل معه و بحث كيفية تطبيقه لحل مشكلات الواقع الذي تعيشه.

ثم كثرة مجالسة و الاستماع الى و مناقشة من هم أكثر منك علما و أعلى منك في القدرة على التفكر العميق و التأمل و النقد .. و قبل هذا كله و معه كثرة القراة للمراجع المفيدة في مجال تخصصك.

*****

أنا وصلت الى أول درجة في التفكر العميق في التاريخ و السياسة و أنا في السنة الأولى بقسم التاريخ بكلية الآداب فى جامعة القاهرة ثم بلغت مستوى جيد فيه بنهايات أول سنة مرت بعد تخرجي، و كان هذا بفضل الله ثم غزارة في القراءة مع رغبة تفوق كل رغباتي و وقت يفوق كل الأوقات التي كنت أقضيها في أي شئ سوى القراءة.

و لكن لم أصل للنضج المناسب إلا بعد هذا بسبع سنوات بفضل الله ثم بفضل التفكر الطويل فيما قرأته طوال السنوات السابقة، هذا التفكر جرى في اعتقال انفرادي (أو شبه انفرادي) منعوا عني فيه الورق و الأقلام و الكتب حتى المصحف لنحو عشر سنوات متواصلة .. فأجبرت على التفكر و نفعني الله بهذا التفكر بأكثر من انتفاعي بقراءة آلاف الأبحاث و الكتب.

*****

في البداية عندما تقرأ كثيرا في التاريخ و السير الذاتية تخرج بتعميمات كبرى و مهمة من مثل:

 أي قائد من القادة العمالقة الذين بنوا امبراطوريات لم يتمكن من هذا عبر محاربة كل أعدائه و منافسيه طوال الوقت بل تجد أكثر من 50% من سلوكه مصروف الى احتوائهم بالتحالفات و المعاهدات حتى يأتي دورهم في سلم أولوياته في القضاء عليهم.

و مثل:

أي عدو لك تقدر على القضاء عليه ثم تتركه بسبب أن ضعفه الشديد أغراك بإهماله وتركه، فسيمون وبالا عليك لأنه سيكون بؤرة ضدك ستراقب أي برصة تواتيها للتوثب عليك بهدف الانقضاض عليك، حيث ستكبر هذه البؤرة و تتطور بالتدريج و تنتهز فرصة ضعف فيك فتطور نفسها أكثر ثم تنقض عليك فتقضي عليك في النهاية.

و مثال ذلك الجيب الصليبي الصغير الذي تركه المسلمون على المرتفعات في أقصى الشمال الغربي (ربما جزء من البرتعال الآن) من الاندلس، استهوانا بقيمته و تأثيره فقد فعل هذا الجيب هذا الى أن طرد المسلمين من الأندلس كلها بعد مئات السنين.

و مثل:

الحروب الكبرى التي يطلق عليها بلغة عصرنا الحروب العالمية أو ما يشبهها انما يحسمها خلطة مناسبة من ثلاثة أشياء رئيسة هي:

1-المعنويات المرتفعة للشعب المحارب و المبنية على فكر أو منهج منطقي حقيقي لا زيف فيه من الناحية الواقعية.

2-الفكر السياسي و الاستراتيجي المتقدم الذي فيه ابداع و تجديد واستخدام هذا الفكر في مواجهة كل التحديات و حل كل المشكلات.

READ  الأصول الصليبية لبناء سد النهضة الأثيوبي على نهر النيل لخنق مصر

3-توفر حد أدنى من الموارد الاقتصادية و البشرية اللازمة… و مقياس هذا التوفر هو انه يكون لديك ما يكفي لمواجهة كل موقف يواجهك.

(مثال للتوضيح: عندما حشد الروم قوات كثيفة ضد جيوش المسلمين الأربعة في الشام قبل اليرموك فأولا- تجمعت جيوش المسلمين في الشام في جيش واحد، و ثانيا- نقل أبو بكر الصديق عدة آلاف من الجيش الاسلامي في العراق الى الشام بقيادة خالد بن الوليد ..

و الشاهد أنهم و إن لم يتمكنوا من مجاراة نفس الحشد الرومي لكنهم واجهوه بزيادة “ما” في العدد و تجميع العدد كله معا و تعيين قائد جديد فضلا عن تحديد موقع “ما” للمواجهة بخطة “ما”) و مقياس هذا أيضا بأن يكون لديك ما يجعل فعلك بهم كفعلهم بك حسب تعبير أبي بكر أو عمر (لا أذكر) لأحد القادة.

%D8%B9%D8%B1%D8%A8 %D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%A1

*****

كل ما سبق أمثلة عما تخرج به من تعميمات كلية مهمة في أول مرحلة تصل اليها بعد قراءة غزيرة جدا مصحوبة بتفكر و تأمل عميق لمئات المراجع الجيدة في التاريخ و السير الذاتية لعظماء التاريخ .. و لكن هناك شئ أعظم من هذا ستصل اليه في المراحل التالية بعدما تتجاوز هذه المرحلة بمزيد من الجهد في القراءة في التاريخ مصحوبا في الأول و الآخر بتوفيق الله تعالى لك.

*****

التعميمات الأهم التي تصل اليها في نهايات مرحلة الدراسة التاريخية العميقة و الواسعة هي المتعلقة بسنة الله في الكون بشكل عام و واسع و تصل هذه التعميمات بعقلك بأن تمتزج ببنيته كأنها جزء منه .. و مثلا :

ترى حركة سياسية أو دينية أو دولة أو كيان ما فتقول: مثل هؤلاء لن يفلحوا أبدا لما تراه من سلوكياتهم التي علمك التاريخ أن الله لم يعط نجاحا و لا فلاحا لصاحب مثل هذه السلوكيات من حركة او دولة، أو ترى حربا أو معركة فتقول عن المتقدم فيها “سينهزم في النهاية و لن تقوم له قائمة بعدها” ، أو ترى زعيما ناجحا فتقول: “هذا نهايته سوداء” ، أو ترى زعيما مهزوما فتقول: “سينتصر و سيبني مجدا”.. الخ ..

كثير من هذه الأمور يصبح واضحا لك وضوح الشمس في ظهيرة الصيف لكن من لم يكن مثلك يتعجب من قولك بل قد يعارضه و رغم هذا يتحقق قولك ربما بعد عشرة أو عشرين عاما و ربما يعد شهور قليلة.

*****

و من التعميمات المهمة بشأن حركة التاريخ الكونية (و هي سنة الله التي لا تتبدل) أنه يجب الاخذ بكل الأسباب المستطاعة و الممكنة بمقايس العلم و الموضوعية في عصر الحدث لمواجهة التحديات و حل المشكلات و تحقيق التمكين (لأي كان بغض النظر عن عقيدته).

و من أهم و أبرز التعميمات بشأن الأخذ بالأسباب هو متابعة الواقع و تحدياته و مشكلاته بكل تيقظ، و مواجهتها أولا بأول، بحيث تتم مواجهة كل مفردة منها بما يناسبها من عمل قادر على التغلب عليها في أسرع وقت قبل أن يستفحل خطرها، و تصعب مواجهتها.

READ  المعتقلون السياسيون كيف واجهوا التجويع والتعرية في سجون حسني مبارك .. من مشاهد أيام الاعتقال (3)

و لعل أبرز مثال على هذا عندما انتعشت و تصاعدت الحركة الانقلابية للعباسيين في اتجاه خلع الملك الأموي (الخلافة الأموية)، و نقل الحكم للبيت العباسي، فوقتها كان الأمويون مشغولين بخلافاتهم الداخلية و بملذات الملك عن متابعة هذا التصاعد لنشاط التنظيم العباسي في أقصى شرق الدولة، و حينها قال نصر بن سيار ملخصا الموقف:

أرى تحت الرماد وميض جمر …….ويوشك أن يكون له ضرام

فإنّ  النار  بالعودين  تُذكى     ……. وإنّ الحربَ مبدؤُهُا كلام

فإنْ  لم  يطفها  عقلاءُ  قومٍ  ………  يكونُ وقودَها جثثٌ وهامُ

فقلت من التعجب ليت شعري …….   أأيقاظٌ أميّة أم نيام

فإن يقظت فذاك بقاء ملك     …….   وإن رقدت فأنى لا ألام

فإن يك اصبحوا وثووا نياما   …….   فقل قوموا فقد حان القيام

فغرّى عن رحالك ثم قولي   …….   على الإسلام والعرب السلام 

التاريخ الإسلامي
التاريخ الإسلامي

*****

القراءة الملحمية و الحماسية للتاريخ عندنا نحن الإسلاميون هي السائدة و هي تعمينا عن ما ذكرناه في السطور السابقة من حتمية الأخذ بالأسباب كما انها ترسخ عندنا مفهوم خاطئ للأسباب فنتخبط بسبب الحماس العالي و مثال ذلك:

في معركة ملاذكرد المشهورة بقيادة ألب أرسلان، تقرأ أغلبية المراجع لتفهم كيف انتصر 20 الف مسلم على 500 ألف بيزنطي، فلا تجد سوى أن ألب أرسلان لبس كفنه و خطب خطبة عصماء ألهب بها حماس جنوده و مساعديه من القادة، فلبسوا هم الآخرون أكفانهم و شدوا على العدو فهزموه.

و لا يوجد مانع من أن يبرز الكتاب و المؤرخون قديما و حديثا و الآن أن العالم الفلاني المصاحب للسلطان ألب أرسلان نصح بكذا من الأعمال الصالحة، و المسلمون دعوا في صلاة الجمعة للجيش المسلم بالنصر !!!!!

أه .. أه .. الاسلاميون في كل بقاع الأرض من يوم ما قرأوا هذا و هم يلبسون اكفانهم و يدعون الله ثم ينزلون للمواجهات (السلمية أو المسلحة) و مع هذا لا ينتصرون بل يقتلون قتل عاد و ارم !!! أتدرون لماذا ؟؟

لأن لبس الكفن و الدعاء (فقط) لا يجلب النصر و الا “ما كانش حد غلب” حسب المثل الشعبي المصري الشائع، و لكان   النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم فعل هذا و هو لم يفعله بل كان يلبس درعين ، و حفر الخندق و نصب المنجنيق لأول مرة في تاريخ الجزيرة العربية كلها..الخ ..

و دعوني “أحبابي” أذكر لكم لماذا و كيف انتصر ألب أرسلان على هذا الجيش العملاق بجيش صغير .. ممكن تدوخ في المراجع لتجد قلة ضئيلة منها ذكرت سبب هذا النصر.. لقد استخدم السلطان ألب أرسلان ما بات يعرف في علم الاستراتيجية الحديثة بـ “استراتيجية الاقتراب غير المباشر”.

و هي نفس الاستراتيجية التي طبقها كثيرا النبي صلى الله عليه و آله و سلم في الحرب، و ربما في السياسة، كما كان من أكبر روادها على مدار التاريخ الانساني كله خالد بن الوليد و المثنى بن حارثة في الفتوحات الاسلامية، (و ارتكزت عليها أغلب الفتوحات الاسلامية زمن الراشدين)، و خلاصتها الحيلة و الخداع فتتمكن قوة صغيرة من القضاء على قوة أكبر ، فكيف طبقها ألب أرسلان؟

READ  ناجح إبراهيم والجماعة الإسلامية في طورها الجديد

لقد ظل يرسل كتائب قليلة العدد من الخيالة الرماة ويهاجم معسكر البيزنطين وتجمعاتهم الكبيرة بطريقة المباغتة والكر والفر بانتظام حتى ارهقهم واستنزفهم بقدر كبير، ثم بعدها (بأيام طبعا) أرسل جزءا أكبر نسبيا من قواته هاجمت الجيش الرومي ثم فرت منه لتستدرجه خلفها الى مكان حدده.

و جعل فيه كمين (غالبا كان واديا بين جبال على ما أذكر) ثم أطبق عليهم بقواته كلها من كل الجهات بعدما أصبحوا في مركز الكمين و بعدما قضى على أغلبهم طارد الفارين الى معسكرهم فحاصره و هم مثخنون و قضى علي من فيه أيضا ثم طارد الفارين الشاردين فقضى على أكثرهم.

 لو قرأنا التاريخ هكذا سنفهم و نتعلم الأسباب الحقيقية للنصر و القدرة، أما اذا قرأناه بالطريقة الملحمية السائدة (من قديم الزمان و حتى وعاظ و مشايخ و رموز الاسلاميين اليوم)، فإن هذا يخرج لنا أجيالا لا تعرف الأسباب الحقيقية للحصول على النصر، ورغم هذا يتصدرون المشهد و اذا نصحهم ناصح أو لامهم لائم ردوا لا يوجد أي وسائل غير هذه .. اذ كل ما يجهلونه هو غير موجود و على الجميع الاذعان لجهلهم.

تاريخ الإسلام للذهبي
تاريخ الإسلام للذهبي

*****

هذه التعميمات التاريخية التي تكلمنا عنها في السطور السابقة عدة مرات يدخل كثير منها فيما يعرف بفلسفة التاريخ، أي تفسيره و استخراج دروس و تعميمات عامة منه و هي أعلى مستوى في دراسة التاريخ ، لكن هناك مستوى قبلها مباشرة و هو مستوى التحليل و الفهم لكل حدث على حدة (كما في واقعة ملاذكرد على النحو الذي ذكرناه آنفا).

أو تحليل فترة تاريخية محددة بحيث تكون صغيرة نسبيا و متماسكة لتمثل وحدة واحدة بينها العديد من المشتركات في عدد من المجالات مثل “عصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم” و “الدولة الأموية” و “العصر العباسي الأول” و “دولة شارلمان” أو “عصر هرقل” أو “عصر قسطنطين”.. الخ.

و التحليل هنا يتطلب قدرات علمية و فكرية متوسطة تؤهلك لقراءة التحليلات الكثيرة التي كتبت عن عصر ما، فتقرأ الكثير من المراجع الجيدة في هذا المجال، ثم بعدها ستجد نفسك اكتسبت هذه الملكة في التحليل بمستوى جيد، لأن دراسة التاريخ يمكن القول أنها تتضمن المستويات التي نعبر عنها بالأسئلة على النحو التالي:

أول مستوى- ماذا و متى حدث ؟

ثاني مستوي- كيف حدث؟ وهو يشمل نوع من التحليل بدرجة ما.

ثالث مستوى- لماذا حدث؟ و هو مستوى التحليل الذي نتكلم عنه في هذه الفقرة الأخيرة.

أعلى مستوى وهو- متى يحدث هذا؟ و هو أعلى مستوى في دراسة التاريخ و الذي يطلق عليه فلسفة التاريخ و أطلقنا عليه نحن هنا التعميمات.

About The Author

ابن خلدون --

هل قال عمر بن الخطاب وابن خلدون العرب لا يصلحون للحكم و السياسة ؟

هزيمة 5 يونيو 1967

هزيمة 5 يونيو 1967 ما سببها؟ .. السؤال حاضر والإجابة ساطعة لكن لا تراها الأعين

التاريخ الاسلامي

مصادر ومراجع التاريخ الإسلامي .. تفاصيل دقيقة

ربما فاتك

ملفات جيفري إبستين

ملفات جيفري إبستين .. هل يضلل النقاش العربي الرأي العام؟

حرب إيران وأميركا

حرب إيران تقترب .. ورطة ترامب وحسابات إسرائيل وحدود الدعم الروسي-الصيني

مجلس الأمن

غزة ودور المسلمين بعد قرار مجلس الأمن

ترامب

خطة ترامب حول غزة .. الثقة بالشرف البريطاني كلفت مصر احتلالا لـ 74 عاما

تشارلي كيرك

3 فروق بين العربي والأوروبي والأمريكي يكشفها اغتيال تشارلي كيرك

Share via
Copy link